في ديوانية سنابس.. خليج تاروت يستغيث.. ورامس: الحل إحداث مواءمة بين البيئة والتنمية

اهتم بالعلوم الطبيعية والبشرية لمنطقة الخليج قاطبة وجزيرة تاروت بشكل خاص، وقاده الشغف بها إلى دراسة علم الجغرافيا في المرحلة الجامعية، وتبلورت لديه فكرة في إخراج رسالة التخرج بعنوان "استخدامات الأرض الحضرية في جزيرة تاروت".
جمع اهتمامه وتحفيز أستاذة الجامعة له بشكل كبير جدًا، وحصل على التميز في بحث التخرج على مستوى الجامعة، الذي اتخذ منه نافذة تعريفية لجزيرة تاروت، إذ كان محط استغراب من الجميع، مما دفعه إلى البحث المستفيض والكتابة في الجوانب الجغرافية للمنطقة الشرقية وجزيرة تاروت، مسقط رأسه وبيئته التي تربى فيها.
واعتبر الحديث عن البيئة وتناولها من الهواجس الكبيرة جدًا في العصر الحديث، كما أنها من اهتمامات الجغرافي الذي يبني على التشعب، عبر الدخول في الكثير من العلوم الأخرى، كما أن البيئة من الأمور الإشكالية والكبيرة جدًا، كونه يعيش في جزيرة كثيرة التغيرات الجغرافية، ومع عدم مشاهدته الوثائق الخاصة بالجزيرة وجميع الدراسات التي وجدها أولية، رأى ضرورة توثيق ذلك لتكون مرجعًا للأجيال الحالية والقادمة.
كان هذا حديث الباحث في الجغرافيا والبيئة لجزيرة تاروت والقطيف سلمان رامس، وحديثه في مقدمة ندوته التي حملت عنوان "البيئة البحرية وتحديات التنمية" في لقاء الجمعة 25 أكتوبر 2019م، والمنظمة من لجنة التنمية الاجتماعية الأهلية بسنابس، في مقر اللجنة بديوانية سنابس.
وقاد دفة الحوار زهير الضامن، الذي بدأ بالتعريف بالباحث وذكر إنجازاته البحثية والكتابية حول بيئة وتاريخ وجغرافية المنطقة الشرقية، حيث ركز في الندوة على علاقة الطفرة التنموية التي تشهدها جزيرة تاروت بالحياة الفطرية والبيئية، وكيف يمكن إيجاد عملية الموازنة بينهما من أجل أن يستفيد الإنسان بما حوله من خيرات بيئية تناسب احتياجاته الإنسانية.
وبدأ "الضامن" سيل أسئلته بطرح سؤال: "هل استفزتك البيئة التي عشت فيها وبما تعكسه من العمق التاريخي للإنسان؟".
وأجاب الباحث "رامس" بأن الجانب التاريخي عن المنطقة قرأه من الكتب التاريخية التي دونت بناءً على تقارير البعثة الدنماركية في الخليج، وكذلك كتاب "الطرق القديمة" الموجود في متحف اللوفر، واستثاره كمية المعلومات التي تناولتها عن القطيف وجزيرة تاروت، وعليها قرر أن لا تنحصر هذه المعلومات بين دفتي الكتب، بل تمنى أن تصل إلى أيدي الأهالي القاطنين في جزيرة تاروت ومنطقة القطيف والتعرف على تاريخهم الضارب في القدم.
وأكد أن هاجس البيئة بات كبيرًا على كوكب الأرض التي تعرضت على مر العصور إلى تغيرات كبيرة أثرت عليها بشكل ملحوظ، سواء كانت هذه التغيرات طبيعة أو بشرية من صنع الإنسان، الذي يبحث طول حياته عن خطط تنموية متواصلة لا يمكن الانفكاك عنها، ومع الثروة الصناعية واستهلاك النفط الذي كان لها أثر واضح على الغلاف الجوي لها.
وركز "رامس" على منطقة الخليج العربي التي تجذرت فيها التنمية ولا يمكن إيقافها مع زيادة عدد الكثافة السكانية والتمدد العمراني والصناعي، الذي يحتاج إلى خطط إبداعية، ما أحدث عملية مواءمة بين البيئة والتنمية بدون ظهور ضرر على البيئة، منوهًا بحساسية البيئة في الخليج العربي الذي يتميز بشبه إغلاقه، ووقوعه في أهم منطقة عالمية لإنتاج البترول، مع ما يتعرض له من عملية شحن على مدار الساعة سنويًا، وكذلك الحروب التي تعرض لها وكانت سببًا في التلوث من ذلك البترول.
وأخذ تعريف البيئة بما تحمل من كائنات وموجودات حية وغير حية، والعلاقة التفاعلية فيما بينهما، مدخلًا إلى التعريف بالبيئة العامة لجزيرة تاروت التي تقبع في الخليج العربي، مع ما يعانيه من وجود النفايات سواء كانت من المواد الكيميائية من المدن الصناعية القريبة منها ومحطات التحلية، مما أدى إلى إرهاق الساحل والكائنات البحرية التي تنمو عليه.
وانتقد الفكر البيئي وسلوكيات الأفراد والجماعات، ودورهم العبثي في عدم المحافظة على مكونات البيئة، مستعرضًا الخصائص التي يتميز بها الخليج العربي من حيث الاتساع والعمق، وقدرته على تجديد مياهه التي لا يستطيع القيام بها إلا كل خمس سنوات بسبب صعوبتها نظرًا إلى انغلاقه عن المسطحات المائية المفتوحة وارتفاع درجة حرارته.
وأوضح "رامس" التحديات التي تواجه البيئة في الخليج العربي بالمجمل وهي؛ صعوبة الاستزراع الحيواني فيه مع وجود تنوع في الكائنات الحية بين 200 نوع من الرخويات و240 نوعًا من الأسماك، بالإضافة إلى تميزه بارتفاع درجة الحرارة والملوحة فيه، ووجود الحشائش المهمة والأحياء الحية في القاع التي تكون حاضنة إلى الربيان وأنواع من الأسماك ومحار اللؤلؤ.
وتطرق إلى الأمور التي ترهق مياه الخليج العربي وعلى رأسها ناقلات النفط، الذي يكون مصدر تلوث كيميائيًا للمياه بشكل كبير، مع وجود تلوث من كائنات غريبة علقت في ناقلات النفط، من بحار أخرى، بالإضافة إلى غرق هذه الناقلات وحوادثها، مما يؤدي إلى نفوق الأسماك، وأهمها سمك الميد.
وأشار إلى الخطر الذي ينعكس من إنشاء المدن الصناعية في القضاء على حيوانات ونباتات القاع، وتحويل القاع إلى رمل، مما يؤدي إلى خسارة كبيرة في البيئة الحيوانية، مع الوعي بالآثار البيئية من تدني الغطاء النباتي الذي يقضي على الغازات السامة وإنتاج الأكسجين، وأهمها العوالق النباتية.
وأكد أن 40% من المرجان في المياه السعودية معرض إلى الانقراض، يرافقه اختفاء حيوان بقر البحر وحيوان حوت سمك القرش، مركزًا على خليج تاروت شبه المغلق في خليج شبه مغلق وعلى امتداده من رأس تنورة شمالًا إلى ميناء الدمام جنوبًا، نجد أن أشجار القرم استطاعت النمو وتكوين تربة طينية، وسط تيارات صغيرة، وخسارة 49 مليون مربع من مساحته لصالح اليابسة 15% أخذت من خليج تاروت، في حين أنها مناطق مهمة وتحتوي على حيوانات القاع.
واستعرض نتائج دراسة لشركة "أرامكو" عام 1985م تقول: "إن متوسط حيوانات القاع 180 ألف نوع لكل متر مربع في شمال تاروت، وفي الجنوب 130 ألفًا لكل متر مربع، كما يوجد 265 صنفًا من حيوانات الأرجل في خليج تاروت، و199 صنفًا من فصيلة ذوات الصدفتين"، وتعتبر الدراسة خليج تاروت من أهم المناطق الحاضنة للروبيان في المنطقة الشرقية.
ولخص "رامس" حديثه بأن خليج تاروت فقد مساحات كبيرة من أشجار القرم، وهذا كان له انعكاس على البيئة الحيوانية البحرية، داعيًا لإيجاد حل ومواءمة التنمية مع البيئة البحرية، مع الحاجة إلى الاستعانة بالخبرات في مجال البيئة والتعرف على كيفية حمايتها.
وتعددت المداخلات من الحضور المهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي والبيئي من أفراد المجتمع في محافظة القطيف، بدأها علي الغانم الذي اعتبر الإنسان العدو الأول للبيئة مع قيام دول الخليج من سلطنة عُمان والإمارات باستزراع القرم على الواجهات البحرية، داعيًا إلى سن قانون يمنع رمي الملوثات البلاستيكية من البحارة، وعقب عليه رامس بقوله: "نحتاج إلى من يخطط لنا ومن أجل تنمية البيئة، ونشر الثقافة البيئية بين البحارة وزيادة مستوى لديهم، لهم وهذا دور وزارة البيئة والمياه والزراعة".
وتناول عبد الله حسن آل شهاب موضوع محطات التحلية ومراسي السفن ومصانع البتروكيماويات ومياه الصرف الصحي، وما تحدثه من مأزق حقيقي يصعب التنبؤ بمستقبله، بواسطة شركة عالمية تدير ملفه الساخن.
وأشار علي العليوات إلى مساحة القرم في جزيرة تاروت التي عاصرها ما يزيد على 60 سنة من غرب الزور إلى أراضي الشاطئ ودارين، مع قرم القديح والعوامية، حيث كانت أراضي طينية، مع وجود نبات الإسل في منطقة دارين امتداد سنابس الرملية، لافتًا إلى أن القرم الحالي يُعد قرمًا مستزرعًا.
وطالب أحمد الخرمدي بتأسيس جمعية رسمية متخصصة في الشؤون البيئية التي بدورها ترفع الملاحظات الخاصة بالبيئة إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة، فيما طالب الدكتور حسن العبندي بإيجاد خطط بديلة للاستفادة من النفايات قبل رميها.
أما حسن العوى، فقد استفسر عن دور السفن في إدخال كائنات بحرية جديدة على الخليج العربي، وأثر هذه الكائنات، وأثر التلوث على طعم الأسماك مع ما يُسمع من كبار السن عن إحساسهم بتغير طعم الأسماك.
من جانبه، ثمن عبد العظيم آل شلي جهود سلمان رامس ووقوفه على مسائل تاريخية وبيئية تهم المنطقة الشرقية والقطيف، معتبرًا الندوة مرثية على واقع الحال المر وما تعاني من تلوث واضح للعيان، ومع ما نجد دعوات إلى التنمية البيئية، نجد كذلك قوة جارفة إلى تلوث البيئة، لذلك لابد من وجود حد أدنى لتنمية وردم الحياة البحرية من تجار العقار.
وختمت الندوة بتقديم الشكر من رئاسة لجنة تنمية سنابس إلى الباحث سلمان رامس على ما قدم من معلومات أثرت الجميع، دعا من خلالها إلى رفع الوعي بالبيئة وخليج تاروت بشكل خاص.
[banner id="184150" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]












