فشلني ما أنساها ليه ..!

لا شك أن النسيان هو مقبرة الذكريات التي غفلنا عن الاحتفاظ بجوهرها، أو التي تناسيناها إلى أن أُنْسيناها.
هو رحمة لنا، وسلامة لقلوبنا، هو الأمان لعقولنا من أن تفقد اتزانها، أو أن تُضيع في متاهات أوهامها.
هنالك أشياء لا يمكن نسيانها؛ لأننا نحبها، نعشق أثرها المتبقي بين طيات كتابنا، نظلُ نُنعشها بين الحين والآخر إلى أن تحيا بداخلنا.
لا بأس بإنعاش هذه، الذكريات؛ لأنها تحمل في داخلها طيب الأثر، تحمل الخير لنا، الفرحة التي تجعلنا نبتسم، والعفويةُ التي تجعلنا نرفع الأكف بالدعاء نَدعو إلى من كان معنا فيها.
لكن ماذا إذا كان عكس ذلك؟! ماذا إذا كنا نُنعش الحزن بداخلنا، وننصب مراسم العزاء المؤلم في قلوبنا؟! ماذا إذا كنا نُحيي سوء الأثر؟! ماذا إذا كنا نحاربُ جهلًا ألّا يختفي الحزن والسواد من قلوبنا، وأن تُعشعش الأحقاد في داخلنا؟!
مثل هذه الذكريات ما هي إلا قنابلٌ موقوتة، ما هي إلا ثأرٌ نرتجي منه الانتقام؛ لذا ترانا نترقب الأيام أن ترينا الأذى والقسوة على من أساء لنا، بدلًا من أن ندعو لصلاحه واستقامته!
لا تتعجب من ذلك؛ فلربما أنت وأنا نحملُ ذاك الشر بداخلنا دون أن نشعر، ونحاول ألّا نظهر سوء الأثر لأحد، تحت عنوان: أنا طيب، أنا لا أحمل على أحد!
لطالما كنت أعتقد أن العفو عمّن أساء لنا هو كرمٌ منا له فقط؛ لأنه هو المحتاج إلى طلب الغفران، إلى أن أدركت بأني أنا أيضًا محتاجٌ إلى ذاك الغفران!
نعم سيدي فأنّى لي أن أنسى زلة فلان، وأنا لم أمنحه بداخلي الغفران، بل أذكر نفسي يومًا بعد يوم بالأذى الذي سببه لي، أجدد مراسم عزائي بالتعب الذي خلفه عندي، أتحسر ندمًا على ما فات، وأنتظر الأيام أن تسترد انتقامي منه! فما أنا حينها إلا أسيرٌ لانتقامي، ضائعٌ في تراكم حاجاتي، مجروحًا حزينًا، لا يهدأ جرحي ولا يبرأ!
اعلم أن العفو ليس كما تعتقد، فالعفو لن يُذهب في مهب الريح حقك، ولن يُضيّع بين الناس كرامتك؛ لذا أنت تحتاج أن تسامح لأجل نفسك قبل غيرك، فعندما تسامح زلة فلان، فأنت تطردُ الحزن والأحقاد والضغينة من داخلك، أنت تُغلق الباب على عدوك من أن ينفذ لك، أنت تحصد الخير لنفسك، وتحمي ذاتك، وتجلب السلام لروحك.
سامح لأجل نفسك، حتى وإن كان السماح بينك وبين نفسك من دون إخبارٍ ولا إشعار؛ فالله يعلم نواياك، فأنت في مملكته وفي أرض عدله، فلا خوف عليك ولا قلق.



