من القديح.. في رحلة تخرجه من أمريكا.. الشاعر يخوض معركة شرسة مع السرطان.. وينتصر

خمس سنوات ونصف السنة وغربته لا تعرف إلا معاركه الدراسية، يجتهد في مذاكرته، يحاول أن ينهي ما يسند له من واجبات أو بحوث وغيرها، يسعى لأن ينهي سنته بنجاح، وقبل ختام الدراسة، وهو في ذروة تأهبه للتخرج، واستعداده لأن يكون النجاح حليفه، حتى يعود للوطن، للأهل، "للديرة"، ولكل الوجوه التي تنتظره؛ باغته عدو لا يقبل الانهزام في أول المعركة، فكان عليه أن يخوض مع "سرطانه" معركةً لا تكافؤ للطرفين فيها، تسلح بدعاء المؤمنين، ورضا والديه، ومساندة أخوته وأخواته، الذين يصفهم بالجبال التي استند إليها في محنته، متذرعًا بالإيمان، حتى هزمه، وعوض أن يعود إلى موطنه متخرجًا من دراسته، عاد منتصرًا على مرضه متقلدًا شهادته،وها هو اليوم يحضر للماجستير، ويتمنى أن يحصد الدكتوراه بعدها.
القصة للشاب حسن صالح الشاعر، واحد من مواليد القديح، أخ وسط بين أربعة شباب، وثلاث بنات، متفوق في دراسته، حصل على الثانوية العامة بعلامات ممتازة، ودرجة قياس وتحصيل مرتفعة، كان يحلم بالالتحاق بهندسة البترول بالظهران، ولكن والده حرك فيه الرغبة في السفر والالتحاق بالمبتعثين، تشجيع والده، كان له أكبر الأثر في اتخاذ قراره، كما أن درجاته كانت محفزًا له، كل الجامعات كانت متاحة أمامه، جاء الابتعاث في المرحلة السادسة، وانتظر حتى تمت الإجراءات، وسافر إلى الولايات المتحدة.
في 2011م، حزم حقائبه، وودع أهله، وبدأ دراسته، إلى هنا وقصة حسن تسير طبيعية كأغلب قصص المبتعثين، حتى كان صيف 2017، وتحديدًا في شهر يونيو، الذي صادف في ذلك العام شهر رمضان، صائم مع الصائمين، تناول فطوره في يوم 13 رمضان، ولكن قبيل السحور شعر بضيق شديد في التنفس.
عرض عليه أحد زملائه أن يوصله إلى المستشفى، وهناك طالت الفحوصات، فطلب حسن من زميله أن يغادر ليلحق سحوره، وعندما ينتهي هو من إجراءات الكشف سوف يتصل عليه ليعودا سويًا، تركه الصديق، وبقي هو يواجه انتظار نتائج أشعة على الصدر.. وحده وسط غربته وكأنه في غربة جديدة، الآلام لا يمكن ترجيح ماهيتها، لذلك كانت النتائج بالنسبة له غير مرجحة، فهو لم يضع احتمالات لأمراض محددة، حتى أتت الطبيبة وأخبرته بكل بساطة أنها ترجح إصابته بالسرطان!
ويصف حسن في حواره لـ«القطيف اليوم» الأعراض التي سبقت دخوله المستشفى: "شعرت بضيق في التنفس وكحة مصحوبة بدم"، ويستدرك: "الحمد لله الذي أظهر هذه الأعراض، لأنني عندما ذهبت إلى المستشفى كانوا مشككين، وبعد مراجعات وفحوصات، تم وضعي في العزل لأنهم اعتقدوا إصابتي بمرض السل، ولكن بعد فترة أخبروني أنني مصاب بالسرطان".
تلقي الخبر
الإصابة كانت سرطان في الغدد الليمفاوية، التي تعتبر المسؤولة عن إنتاج كريات الدم البيضاء، وتمثل جهاز المناعة بالنسبة للإنسان، فتصاب بالتلف، مما يسبب تكتلات والإصابة بالسرطان، وعند اكتشافه كان المرض في المرحلة الثانية.
وعن تلقيه الخبر، يقول: التعامل مع الخبر لم يكن سهلًا، ولكن على العكس، كان صعبًا جدًا، الوقت كان قبيل الفجر، وذهبت إلى المستشفى لأعرف سبب ضيق التنفس، ولم أضع في بالي أن تكون إصابة بالسرطان، كل ذلك كان في الطوارئ، وبأشعة عادية، ولكنهم اكتشفوا كتلة فوق الرئة، والدكتورة لم تزخرف المعلومة، وبمنتهى الهدوء قالت لي: "عندك سرطان، هل لديك أي أسئلة؟"!.
ويضيف: "وقع عليّ الخبر كالصاعقة، أي أسئلة مع هذه الصدمة!، كان الموقف صعبًا للغاية، اتصلت بصديقي، ولم أكن أعرف كيف سأبلغ أهلي، التعامل مع الوضع كان صعبًا جدًا، بعد عدة ساعات حاولت أن أتمالك نفسي، أنه للآن مجرد تخمين ناتج عن خبرة طبيبة، ولم تجرِ فحوصات".
ويتابع: "عملت الفحوصات بعد أسبوعين، للتأكد من الإصابة وحجمها، ولكن تشخيصها الأولي جعلني في حالة تسليم بأمر الله، وحاولت التمسك بالدين، والتسليم لأمر الله، فالله لا يعطي الابتلاء إلا ومعه الصبر، والحمد لله الذي ألهمني التقرب إليه في هذه المحنة".
للآخرين
وجد حسن نفسه وحيدًا، في بلاد غريبة، بعيدًا عن أهله، وأصدقائه، بل وعليه أن يخبر محبيه بهذا الحدث، يكمل قائلًا: الزملاء في أمريكا كان لهم ردة فعل، تختلف عن أصدقائي في السعودية، والأهل يختلفون عنهم جميعًا، بالنسبة للأهل لم أكن أريد أن أبلغهم، فقط أحد إخوتي، ولكن اضطررت لإبلاغهم بعد ذلك، حتى تكون تهيئة نفسية لهم، الوالد تقبل الخبر بشكل مزعج جدًا، ولكنه تماسك حتى يثبتني ويشد من عزمي، وكان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى، في اجتياز المحنة".
حرب شرسة
ويصف المحارب الشاب تلك الأيام فيقول: الحرب لم تكن سهلة نهائيًا، كانت أول جلسة علاج كيماوي هي الأصعب، قبل ثلاثة أيام بدأت أفكر، خاصة أنه ليست لدينا تلك الثقافة، في التعامل مع المرض، وكنا دائمًا ننظر لمريض السرطان نظرة شفقة، ووداع، رغم وجود الأمل بالله، كنت أفكر في جرعات الكيماوي، وكيف سيكون تأثيرها، وكيف لشخص أن يشيب وهو ما زال شابًا، ويتساقط شعره، وتضعف قواه، ويصبح هزيلًا، وتضعف شهيته للأكل.
ويتابع: "كنت متخوفًا جدًا من أول جلسة، وأتذكر أنني لم أستطع النوم ليلتها، وهي ما تحدد مصير الجلسات اللاحقة، وهي بالفعل كانت صعبة، ولكني أرى أن الله سهلها بدعاء الأهل، والمؤمنين".
طبيب شخصي
بعد أسبوعين كان المفترض أن بقابل الطبيب الخاص، وهو أمر متعارف عليه في أمريكا، ما يسمى بـ"طبيب العائلة"، ولم يكن لديه طبيب شخصي في ذلك الوقت، وكان أقرب موعد يستطيع تحديده بعد شهر، فتواصل مع الجامعة وأخبرهم أنه طالب مغترب، وأنه اكتشف إصابته بمرض السرطان، وأن انتظار شهر كامل قد يسبب له مضاعفات، فوجد مساعدة كبيرة، وتم تحديد موعد قريب.
في موعده، تم أخد الجزعة، والأشعة بالمواد السكرية، فاكتشفوا الإصابة في 4 أماكن، ثلاثة في الصدر، وواحدة بالقرب من الإبط، وإحداهم كبيرة الحجم، من 8-10 سم، ورجح له الطبيب أنه مصاب منذ سنتين، من تلك اللحظة، ويقول:" بعد أن أخبرني أن المرض كان يعيش في جسمي سنتين دون علمي شعرت بالفزع، لأنني كنت أمارس حياتي بشكل طبيعي، وأذهب للرياضة، والتسلق أحيانًا، ولم أكن أشعر بأي ألم، والحمد لله العلاج كان 8 جلسات كيماوي، و8 جلسات إشعاعية".
ثقافة المرض
قدر لبطل حكايتنا أن يعرف عن المرض قبل الاختبارات، وكان على وشك التخرج بعد فصل دراسي واحد، يتحدث عن ذلك: "قد تكون خيرة أنني عرفت بالإصابة في ذلك الوقت، لأني تعالجت هناك، فثقافة المرض مختلفة، وكذلك طبيعته، فعندنا نظرات شفقة تؤذي المريض، وتضعف نفسيته، لأنك في لحظات الضعف تحتاج إلى جبال تستند إليها، وهذا ما وجدته في إخوتي ووالدي بجواري".
ويضيف: "أذكر أن العلاج لم يكن في غرف خاصة، إنما غرفة كبيرة، بها أعداد من المصابين يأخذون الجرعات، فعندما ترى من حولك، وترى كيف أن الآخرين يمارسون أعمالهم عبر اللابتوب أو الجوال، وبعض الأشخاص من كبار السن يحضرون معهم مجلات يقرؤونها، وكأنهم ذاهبون إلى رحلة لمدة سبع أو ثماني ساعات، الأجواء لم تكن حارة، كل ذلك كان له مردود إيجابي، وعلى أسلوب تعاملي مع الحالة المرضية التي كنت عليها، وبالتأكيد تختلف كليًا عما هو عليه الحال هنا، وهذا ليس إدانة، إنما اختلاف ثقافات".
أصدقاء تويتر
كتب حسن ذات مرة في تويتر في عيد الفطر، عن إصابته وطلب الدعاء والنصيحة، وفوجئ بكم كبير من المكالمات والرسائل الخاصة، أشخاص كثر كانوا مصابين، قدموا دعمهم له، خاصة مع تجربتهم بالتشافي، وبدأ بسؤالهم عن أصعب جلسة، وعن كيفية التغلب، وهو الأمر الذي يصفه بأنه ساعده كثيرًا.
الأسلحة الغيبية
يؤكد حسن أنه خلال حربه مع السرطان، كانت هناك أسلحة غيبية، الإنسان يؤمن بها، ولا ينكر قوتها، أهمها التمسك بالله، وأهل البيت، ودعاء المؤمنين، يقول: "كنت أتمسك بذلك، وبالدعم الإيجابي من أصدقائي، والعامل المؤثر أن الله منحني نفسية طيبة في فترة المرض، كنت أرى الموضوع أن الابتلاء لأجل أهداف، ربما تكفير ذنوب، وأذكر أحد الأشخاص كان يقول: إن الابتلاء ليس لذنوب أو معاصي، ولكن لأن الله يريد أن يسمع صوتك أكثر، وأن تتقرب أكثر، هذه الكلمات كان لها أثر كبير في نفسي، ربما نصلي ونصوم، ولكن ليس بذلك القرب، فكانت هذه الكلمات أحد الأسباب.
ويلخص الشاعر أسلحته في الحرب: "الدعاء بظهر الغيب والتمسك بالله والنذورات، إضافة إلى الدعم الإيجابي، خاصة من الوالد، الذي بمجرد أن عرف، حجز وجاء لي مع أحد إخوتي، كما تناوب بقية إخوتي على زيارتي، كل شهرين يأتي أحدهم، مع بقاء الوالد معي طوال فترة العلاج، والذي كان داعمًا لي بقوة، والسبب الثالث النفسية، والآن أستطيع القول لأي مريض سرطان: "إن الحرب نفسية أكثر مما هي جسدية، فإذا تقبلت الأمر، وأملت خيرًا في العلاج، وأن رب العالمين سيقيمك من هذا المرض، ستتغلب عليه حتمًا".
تخصصات
وبعيدًا عن أجواء المرض، درس حسن في جامعة Portland State University، تخصص هندسة كهربائية، وأتم الدبلوم، ولكن لأسباب خاصة بالجامعة، وبالملحقية، انتقل إلى دراسة الرياضيات التطبيقية، والآن لديه دبلوم هندسة كهربائية، وبكالوريوس رياضيات تطبيقية.
الابتعاث
ويوضح في حديثه لـ«القطيف اليوم» أثر تجربة الابتعاث عليه، فيقول: "آثار إيجابية، أسميها مرحلة تبلور الشخصية من 18-25 سنة، فقبل هذه السن، يكون الإنسان معتمدًا على والديه في كل شيء، إلى الانتقال لإدارة الحياة كاملة، اجتماعيا، وماديا، وكل شؤون الحياة، من صعوبات لابد أن تتخطاها، وكيفية التصرف، وفي هذه النقطة تبدلت الحياة تماما، كذلك الأعمال التطوعية، الاختلاط والاحتكاك بالثقافات، إما أن يعزز من ثقافتك، وإما أن يضيف إليك طرق تعلم وأساليب حياتية جديدة، وبحكم أني في هذه السن كنت في أمريكا، فذلك ساعدني أن أكوّن شخصيتي، كيف أنتقي الجيد من الثقافة الأمريكية، وأظل محافظًا على الثقافة المحلية، وكيف انعكس ذلك علي".
أنشطة
وعن الأنشطة التي مارسها الشاعر في أمريكا، يقول: "التحقت بالعديد من الأنشطة في أمريكا، أبرزها التطوع في النادي السعودي لمدة عام، لإدارة المكان والتصوير والاحتفال بالأعياد واليوم الوطني وتنظيم الندوات وتغطية المناسبات؛ بحكم أنني مصور، كما قمت بالتغطية للنادي السعودي والكويتي والإماراتي والعماني، وبعد ذلك انضممت للنادي السعودي كعضو، وأصبحت مسؤولًا عن الأنشطة الرياضية".
ويضيف: "عملت بعض الأنشطة الترفيهية للطلاب السعوديين، وفي السنة الثالثة أصبحت نائبًا للنادي السعودي، واستضفنا الدكتور علي العيسى، وقمنا بأنشطة تطوعية عديدة، منها توزيع مواد غذائية وملابس للمشردين في الولاية".
بعد العودة
يعمل "حسن" الآن على استكمال الماجستير في الرياضيات، كما يسعى لأن ينال الدكتوراه بعدها، ويذكر أن هناك خططًا أخرى، منها أن يجد وظيفة مناسبة، أو أن يعود إلى أمريكا ليعمل هناك بحكم أن لديه بطاقة عمل.
لحظة لا تنسى
وختم حديثه بالحديث عن اللحظة الأجمل في حياته، تلك التي لا يمكنه أن ينساها، حيث قال: "وهل هناك أجمل من أن يخبرك الطبيب أنك شفيت تمامًا، وترى الفرحة في عيون الأهل وكل من حولك، فالحمد لله رب العالمين".








