المهرجانات رسالةٌ أم بهرجة؟!

بين الحين والآخر نسمع عن مهرجانات خاصة في ربوع وطننا الغالي، وفي مختلف المجالات.
لم تعد المهرجانات محصورة بوقت، ولا بمكان، ولا بأفراد معينين، ولا بمؤهلات ولا خبرات ولا أبجديات خاصة.
أصبح كل راغب أو هاوٍ يمتلك بعض العزيمة، وبعض الشهرة، وبعض الجرأة قادرًا على إقامتها ولو بحدود معينة.
من هنا كان التفاوت كبيرًا والبون شاسعًا بين المهرجانات الحقيقية والمهرجانات الوهمية؛ وإن كان الظاهر المرئي لهما واحد، غير أن الباطن المُخَبَّأ مختلف تمامًا.
هناك من أفرد الكثير من وقته لإقامتها أو الحضور إليها لاعتبارات خاصة وجعلها ضرورة ملحة في الحياة، وهناك من لا يرى ضرورة لها - مطلقا - ويؤمن بعدم جدواها وأن أضرارها أكثر من منافعها، وهناك من يقول بفائدة بعضها دون البعض الآخر وهذا الفريق لا يرى التغليب أو التعميم حكما صائبا وإنما يقيس كل مهرجان بما يتناسب معه ومع أهدافه وإمكاناته ورسالته فحسب. كل فريق من هؤلاء الثلاثة له تجاربه، وعلله، وثقافته التي بنى عليها رأيه الخاص.
عادة تحمل بعض هذه المهرجانات بين جنباتها رسالة كبرى وأهدافا سامية - ولو ظاهرا - وتعود بمنافع اجتماعية كبيرة على الحياة البشرية وغير البشرية بشكل عام.
غير أن بعضها أصبحت دورًا سينمائية مفتوحة في بعض الأحيان، ومتنزهات للتعارف والتلاقي وتراقص الرموش في أحيان أخرى، واستديوهات للتصوير وتسليط الأضواء والشهرة والاستعراض في ثالث الأحيان.
حين تود أن تفرج همك، وتريح أعصابك، وترى بعض إبداع المعبود في خلقه؛ وجّه بوصلة عينيك لبعض الحضور بنظرة الفاحص المستفهم وستجد ما لا يُقال، فالواضحات لا تحتاج إلى بيان.
نحن - بلا شك - مع إقامة المهرجانات الهادفة، ومع نشر الثقافة الواعية، ومع الارتقاء والتطور الاجتماعي بمختلف أنواعه؛ ولكنا لسنا بلا حدود أو مسافات، كما أنّا مع الثقافة الحرّة ولكنّا لسنا مع الثقافة المتحررة؛ وشتانَ بينهما!
وجد الكثير من الشباب ضالتهم تحت شعارات الثقافة والإعلام والفعاليات والأنشطة والفن في هذه المهرجانات، وبلغوا ما أرادوا بلمح البصر، وكذلك الحال لبعض الشابات؛ والإجمال أبلغ من التفصيل في هذه المواضع.
من المؤكد أن الدور الرسالي الكبير الذي تحمله بعض المهرجانات أسمى وأجل من أن تبلغه الكلمات، كما أن إخلاص وأمانة ونبل القائمين على بعضها كالشمس في رابعة النهار، فضلا عن أن بعض أنشطتها وبرامجها أحدثت تغييرًا جذريًا في ثقافة الناس سما بالكثير من الأفكار، وأزال بعضا من الالتباسات والاشتباهات، وحقق ثمارا يانعة للحياة بشكل عام.
وعليه؛ أصبحت بعض المهرجانات جامعات علمية وثقافية وتربوية خالدة بخلود الحياة.
المجتمع الواعي المعاصر يعشق إقامة مثل هذه المهرجانات النوعية المميزة متعددة المشارب؛ لأنها منهل عذب للفكر والسلوك والجمال والسعادة، ولكن في الوقت نفسه يبتذل بعض المهرجانات التي تركز على القشور دون اللُّب والتي تبنى على التعارف والتلاقي والتصوير والشهرة والبهرجة فحسب، والتي لا تحقق أدنى فائدة ملموسة ولا تحمل رسالة قيّمة للناس ولا للحياة.
إن لم تحمل المهرجانات رسائل عامة ولو محدودة، وليس لها أهداف نبيلة ولو بسيطة فتركها أولى من إقامتها؛ والعكس صحيح.
نحن مع الذين يغرسون بذور الورد ليشم الناس عبيره، ومع الذين رسموا على جبين الحياة جمال الله المتجلي في خلقه، ومع الذين أحبوا الناس إيثارا وطهارة ليس إلّا.



