من أقاصيص المدارس.. ختامها وليس آخرها

5- خواطر سرية
وصفتها معلمتها بقولها: "نسرين" طالبة مهذبة، هادئة، خجولة، تحترم معلماتها وزميلاتها، وملتزمة بأنظمة المدرسة وقوانينها، تحاول بذل قصارى جهدها في التحصيل، محبوبة، وعلى قدر كبير من الجمال.
في يوم دراسي لا أنساه كان يوم الأربعاء نهاية الأسبوع، أُمرنا نحن المعلمات بحملة تفتيش مفاجئة للفصول، وحقائب الطالبات على وجه الخصوص، كنت أنا وزميلة أخرى المكلفتين بتفتيش طالبات الصف الأول المتوسط.
وفي حقيبة طالبتي المعنية... لفت نظري مجموعة من الأوراق مطوية بعناية، فتحتها على عجل، لمحت بعض السطور فأعدت طيها بسرعة وأخفيتها عن نظر زميلتي فلم تعلم بما وجدت.
وفي البيت قرأتها بتروٍ، فصدمني ما قرأته!
خواطر لطفلة صغيرة عمرها اثنتا عشرة سنة أو يزيد قليلًا!
ومما سطرته أناملها... أنها تسير نحو منحنى ومنزلق خطير قد تزل فيه قدمها، ويودي بها إلى الهاوية، كما جاء فيها وصف لمشاعرها المتأرجحة بين الحب والكره نحو والدتها! معللة الأسباب، منها: شعورها الغامض بالشك في مدى إخلاصها لوالدها.
أنهيت القراءة وشعرت بعدها أن هناك اضطرابًا في مكان ما بداخلي زلزل ضلوعي، مسببًا لي الانزعاج وعدم الارتياح والأرق.
أحسست بالمسؤولية تجاه هذه الفتاة، فلم أخبر أحدا بما وقع في يدي، انتظرت يوم السبت بفارغ الصبر لأتحدث معها، ولكنها فاجأتني بغيابها فازداد قلقي عليها...
حضرتْ في اليوم التالي، وبعد انتهاء الحصة انفردت بها وسألتها عن سبب غيابها فأجابت بأنها مريضة ومحمومة، لن أنسى مطلقًا حالتها إذ كان واضحا عليها التعب والإعياء والخوف.
هدأتُ من روعها، وضعت يدي على رأسها ومسدت شعرها، وربتُّ على كتفها... بينتُ لها أني أخاف عليها كخوفي على ابنتي التي في مثل عمرها.
نصحتها بما يجب أن تكون عليه الفتاة في سنها، وكيف تحافظ على نفسها وألا تنخدع بمشاعر سن المراهقة غير الناضجة.
وألا تنساق وراء الأوهام، عليها أن تبقى واعية بذاتها ومقدرة لها، منتبهة لأي امتهان أو اعتداء على كيانها.
وأن تكون على حذر من أن تدفن نفسها في مقبرة من الأسى بتصرف أحمق طائش.
وألا تصدر أحكاما مسبقة لا أساس لها من الصحة على أقرب الناس إليها.
وأن تقترب من الله، وتؤمن بأنه
الرقيب عليها والحافظ لها.
أومأت برأسها في لطف، وكأنها تؤكد لي استجابتها للنصيحة.
وعدتني بأن تكون عند حسن ظن والديها ومعلماتها دائمًا.
وأن تبذل أقصى ما لديها من جهد في الدراسة، وتتخطى هذه المرحلة بسلام ودون أضرار.
في مجلس الأمهات، ومن خلال متابعة والدتها لها... وجدتُ منفذا للتقرب من الأم والأسرة، فوجدتُ أن العائلة محافظة، والأب غائب باستمرار في سعي حثيث وراء الرزق، والأم منشغلة بإدارة شؤون المنزل لكنها منساقة وراء تدليل نفسها، والفتاة تضع قدميها على أعتاب الضياع دون إدراك للعواقب والنتائج المحتملة، وفي غفلة من الجميع!
قد تكون هذه الفتاة قد أحسنتْ صنعًا عندما عبّرت على الورق عن مشاعرها وعما يدور في داخلها من صراع، مع حرصها على ألا يطلع أو يتطفل أحد على ما دونته؛ فهي ترى أن ذلك حق من حقوقها وسر من أسرارها الخاصة التي يجب أن تُحترم، ولكنها كانت بحاجة إلى من يرشدها ويوجهها ويحميها من نفسها.
وتشاء الأقدار أن تقع تلك الوريقات في يدي.
لله الحمد والمنة! لم تمضِ سنوات المرحلة الإعدادية إلا والفتاة على موعد مع الزواج والاستقرار، كما أنهت المرحلة الثانوية بعدها.
لقد استطاعت أن تجتاز السنوات الحرجة بلا مخاطر.



