الميكروويف.. التلوث الخفي

الغذاء مربوط مباشرة بالاستمرارية في الحياة والحركة بكل أشكالها، فمن تناول غذاءً صحياً ضمن لنفسه الخروج من مسغبة الجوع والخوف والمرض في آن واحد.
استخدام الطرائق السريعة في تحضير مائدة الطعام بحاجة إلى البحث والتدقيق في مجال السلامة، وهناك شكوك وتساؤلات حول علاقة تلك الطرائق بصحة الإنسان.
لا شك أن التقنيات الحديثة سهلت عمليات إعداد وتجهيز الأغذية، إلا أن التجارب البحثية والدراسات المستفيضة أكدت تأثيرها على القيمة الغذائية وخطرها على الصحة مقارنتها مع الطرائق التقليدية.
استخدام طنجرة البخار أو جهاز طهي البخار أو المقلاة الكهربائي أو أفران الميكروويف، لتحضير الطعام في فترة قصيرة "بشكل سريع"، يلجأ إليها معظم الناس بسبب ظروف وإيقاعات الحياة الحديثة، نتيجة التحول في النمط الاجتماعي من الهدوء الرتيب إلى الإيقاع الراكض نحو ميادين العمل، خروج ربات البيوت إلى العمل سبب خللاً في النمط الصحي وهو التغيير في نمط الحياة الاجتماعية، ولا جدال في أن هناك تغييراً في النمط الغذائي.
كثيرة هي التساؤلات عن مدى مأمونية تلك الأجهزة، وما حقيقة ما يثار حولها من أضرار؟ وإن كانت ضارة فأين مكمن الخطر؟
تطرقنا في مقالة سابقة نشرتها عبر قنوات التواصل الاجتماعية إلى سلبيات فرن الميكروويف والمفهومات الخاطئة حوله، وفي السطور التالية سوف نستكشف معاً هذا الجهاز بمزيد من الضوء والملاحظة من واقع الدراسات والأبحاث.
الميكروويف جهاز منزلي يستخدم لتسخين الطعام عن طريق موجات كهرومغناطيسية دقيقة ذات تردد عالٍ.
بين الحين والآخر تظهر لنا أصوات وآراء ومقاطع فيديو، تتضمن طمأنة الناس وتشجيعهم على استعمال أفران الميكروويف، وتبعد أو تقلل أي ضرر أو مخاوف من استعماله دون الاستناد إلى دراسة علمية، وأيضاً سمعنا وقرأنا عناوين وشعارات مثل "لا خوف من الميكروويف" و"اخرجوه من القائمة السوداء" وغير ذلك، كلها أقوال لم يثبت بعد مدى صحتها.
لسنا بحاجة إلى مثل تلك الشعارات وهذا النوع من الترويج والتشجيع، ولا توجد مصلحة سوى للشركات التي تروج لمنتجاتها دون النظر إلى أخطارها.
مند اختراع هذا الجهاز والذي اكتشفه بالمصادفة المهندس الإنجليزي "بيرس سبنسر" والجدل مستمر حول مقدار الضرر الذي قد يحيق بمستخدميه من جرائها.
لدرجة أن لجنة "شئون المستهلك" بالاتحاد الأوروبي حذرت المستهلكين من الأخطار المرتبطة بهذه الأفران، موضحة أن الإشعاعات المتسربة منها قد تؤدي إلى أمراض جلدية ومرض "النجم الرمادي" في العيون وإلى عقم الرجال، ولكن مروجي هذه الأفران يؤكدون أن تجاربهم على مئات الأفران أثبتت أنها لا تسرب إشعاعات للخارج، لكنهم لا يستبعدون حدوث المشاكل إذا أصاب الجهاز عطب أو خلل.
هناك جرعات ضارة قد تنشأ من تعرض الأجسام للمجالات الكهرومغناطيسية الصادرة من أفران الميكروويف، وأظهرت التجارب إصابة الصغار الذين تعرضوا لهذه المجالات باللوكيميا.
وقد أجرى علماء من أستراليا دراسة توصلت إلى أن الصغار القريبين من مصدر الموجات يتضاعف معدل إصابتهم بالسرطان.
اليوم يمكن تلمس عدد من الدراسات التي ما زالت قائمة عن حقيقة التأثيرات السلبية الفعلية لموجات الميكروويف المتسربة.
أظهرت دراسة، لباحث التغذية السويسري هيرتيل عام 1989 م، أن الميكروويف مصيدة قاتلة، وكان هيرتيل قد لاحظ أن هيموجلوبين الدم ومستوى الكوليسترول يتأثران سلبياً بعد تناول الطعام المسخّن في هذا الجهاز.
وقد رفضت الشركات ذات الشأن هذه الأطروحة، واعتبرته إضراراً بمنتجاتها، ورُفعت قضية ضد الخبير الغذائي في المحاكم، ومما أدى إلى نشوء ظنون ومخاوف بين الناس حيال مشاكله وضرره بالصحة، أن روسيا حظرت في منتصف السبعينات استخدام الميكروويف، لكنها ما لبثت أن ألغت هذا الحظر.
يتفاعل جسم الإنسان بكل أشكال الحقول الكهرومغناطيسية، وتؤثر في الجهاز العصبي المركزي والقلب والأوعية الدموية والنظر وغير ذلك، وهناك دراسات وتجارب علمية كثيرة أجريت على الحيوانات كما أجريت على الإنسان وهي في معظمها تجارب إحصائية، وقد بينت تأثر الحيوانات بهذه الحقول بشتى أنواعها.
كل جهاز كهربائي يعتبر مصدراً للإشعاعات الكهرومغناطيسية، نستعمل بعضها في منازلنا، والميكروويف ضمن تلك الأجهزة التي نراها في المطبخ، والدراسة التي قامت بها "مراقبة الأخطار السرطانية" بعنوان "الحقول الكهربائية والمغناطيسية على العديد من الأجهزة والأدوات الكهربائية"، قد بينت أن قوة تأثير موجات الميكروويف:
• على مسافة 3 سم تتراوح بين 75 - 200 ميكرو تسلا.
• على مسافة 30 سم -- 4 - 8 ميكرو تسلا.
• على مسافة 100 سم -- 0.3 - 0.8 ميكرو تسلا.
علماً بأن المعيار الذي وضعته اللجنة العالمية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة (ICNTRP) المكلفة من منظمة الصحة العالمية هو 0.2 ميكرو تسلا (µT).
وهنا يتطلب من مستخدمي هذه النوعية من الأجهزة أن يبتعد عن الجهاز مسافة لا تقل عن متر واحد بغرض الابتعاد عن المجال المغناطيسي.
القول إنه لم يثبت علميا وجود أضرار من استعمال أفران الميكروويف هو مجرد تغيير أو تحويل مفاهيم وقناعات لصالح شركات متبنية لهذه التقنيات، ومراكز تجارية ساعية وراء الأرباح المادية دون اهتمام لما قد تجلبه لنا من مشكلات صحية جعلتنا نعيش في فقاعات تكنولوجية، تلك الجهات لا تحتاج إلى إذن مسبق لكونها تستخدم جميع وسائل الإقناع المشبوهة الصادرة من جهات علمية غير موثقة متهمة بإخفاء الحقائق، أو من طباخين مهرة مستأجرين، أو من مصنعي الأغذية، أو نشر مواصفات تشغيلية مشجعة في شكل كتيب يسمى كتيب التصنيع أو وضع خطة تسويقية عبر وسائل الإعلام.
إن طهو الطعام أو تسخينه في أفران الميكروويف تجعله في موضع جدل كون الأشعة التي تخرج منه سببت مشكلات صحية للإنسان، إذ إن الميكروويف يعمل على تسخين الأغذية عن طريق موجاته الكهرومغناطيسية التي تتحرك 915 أو 2450 مليون مرة بالثانية "حسب نوع فرن الميكروويف"، وعندما تمر تلك الموجات فإن جزء الماء الموجود في الغذاء يحاول أن يوازن موضعه مع المجال الكهربائي لموجات فرن الميكروويف، ونتيجة لذلك فإن جزيئات الغذاء تحتك مع بعضها وتولد الحرارة المسؤولة عن تسخين الأغذية.
فإذا كانت موجات فرن الميكروويف قادرة على تسخين الأغذية دون ترك أي أضرار، فلماذا صنفتها بعض مراكز الأبحاث والدراسات التي حملت عنوان "الحقول الكهربائية والمغناطيسية – مراقبة الأخطار السرطانية" بأنها أجهزة ملوثة وضارة بالصحة "التلوث الخفي"؟
المسألة ليست مجرد تهويل بل هي واقع مرير صعب التغيير.
كثير من ربات البيوت يخبرهن خبراء التغذية والمراكز الصحية أن جهاز الميكروويف للتسخين وليس للطهي، ويضع أمامهن قوائم أطعمة يحظر إدخالها إلى هذا الجهاز لأسباب حيوية وكيميائية كثيرة، ولكنهن يفعلن ذلك مع إدراكهن الحقيقة.
جهاز الميكروويف بات اليوم في أي مطبخ أهم من "راعية البيت" وهي من فعل ذلك مع سبق الكسل والتقليد، فباتت تستخدمه للطهو وهو ليس مصمماً لهذا الغرض إطلاقاً، وبات هو يرشدها إلى مراكز التسوق التي تبيع أطعمة جاهزة مجمدة، فأصبح السائق يأتي بالقائمة، والخادمة تضعها في هذا الجهاز مباشرة، ليذوب دور كثير من ربات البيوت في إعداد طعام الأسرة، وتفقد كثير منهن خارطة الطريق المؤدية إلى قلب الرجل عبر طريقين لا ثالث لهما عند البعض، المعدة والراتب الذي تتقاضاه.
كثير من مستخدمات ومستخدمي هذا الجهاز لم يحسنوا استخدامه حسب الأصول، واعتبر كشيء تكميلي وليس أساسياً، وربما هذه المفارقة بين العقل المنتج، والآخر المستهلك.
اليوم وبعد ستة عقود من الزمن سيكون الخبر الصحافي هو ظهور أول امرأة تجهز مطبخها بدون جهاز ميكروويف، لأنها ستطهو وتسخن على نار هادئة، وتعيد للطعام نكهته المسروقة من موجات الميكروويف التي تجعل نفس الطبق يبدو ناقصاً شيئا ما مقارنة بنظيره المسخن بالطريقة التقليدية، ولتقريب الصورة والمذاق أكثر إلى الجزء الخاص بالتذوق، فالأمر يشبه الفرق بين شاي معد بطريقة "التلقيمة" في الإبريق وآخر معد بطريقة "الميداليات" أو "الفتلات" ومسكوب في "زمزمية" أو "ترمس".
سيداتي سادتي، لا تدعوا أطباقكم تمر مرور الكرام لا عند إعدادها، أو طهيها، أو عند الحاجة إلى تسخينها، وحتى عند أكلها، فالغذاء قبل الدواء.
إذا كنتِ لا تعدِّين الطعام لزوجكِ وأولادكِ بالطرق الآمنة، وتعتمدين على هذا الجهاز في سرعته، وأيضاً هناك من تقوم بأدوار أخرى عليك، فيمكنني التخمين أن شريك حياتكِ تزوجكِ، أو باقي على هذا الزوج لأنه يحتاج إلى "إكمال نصف راتبه".
لا شك أن تجنب استخدام مثل تلك التقنيات قدر الإمكان يحمينا من أخطار ومشكلات صحية محدقة، وفي حالة اللجوء إلى استخدامها يجب الأخذ بعين الاعتبار عدة أمور هامة منها:
• اختيار جهاز ذي مواصفات وجودة عالية لضمان عدم تسرب الموجات الكهرومغناطيسية عند التشغيل.
• الابتعاد عن الجهاز أثناء التشغيل بمسافة آمنة لا تقل عن 100 سم.
• عند ملاحظة وجود أي خلل في الجهاز بادر بالإسراع في إصلاح ذلك الخلل، وصيانته دورياً.
• استعمال الميكروويف للتسخين وليس للطبخ.
• التقليل من استعمال أو الاعتماد على الميكروويف في إعداد الطعام قدر الإمكان.
• قراءة التعليمات من الكتيب أو النشرة المرفقة مع الجهاز قبل استخدامه.
• اختيار المكان المناسب في المطبخ لوضع الميكروويف بعيداً عن متناول الأطفال.
• الحذر من استخدام الآنية والأدوات التي لا يوجد عليها علامة ترمز إلى أنها آمنة للاستخدام داخل الميكروويف.
وهذا يعني إلزام شركات التصنيع باشتراطات تصميمية مطابقة للمواصفات العالمية تمنع تسرب موجات الميكروويف خلال عملية التشغيل التي قد تسبب أضرار لها علاقة ببعض الأمراض المستعصية، والجهة المعنية بمراقبة تلك الأجهزة الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس.
لضيق الوقت وخروج المرأة للعمل؛ دفعت بعجلة التغذية المأمونة للخلف، ولن تقضي ربة البيت في المطبخ أوقاتاً طويلة نتيجة استخدام التقنيات الحديثة التي لا تزال تخبئ لنا الكثير من المفاجآت التي لم تكن تخطر ببال أحد.
نحن نحاول إقناع أنفسنا بأن ما يتواجد في الأسواق من تقنيات متقدمة غير ضارة بالصحة!!
غريب ذلك حتى لو أن الشركة دونت أضرار منتجاتها على هيئة توصيات أو تحذيرات في الكتيب المرفق أو على بطاقة المنتج كما هو الحال في عبوات التدخين، ومشروبات الطاقة والأغذية المسببة للحساسية وغيرها.
أصبحت معظم الأسر تمتلك جهاز الميكروويف في مطبخها، وصارت الوجبات تحضر في دقائق معدودة، ملأنا بيوتنا خدماً، وأعيينا أجسادنا بالأمراض، وقد وصلنا إلى نظام سخن وكل.
ماذا يجب أن تفعل ربة البيت لحماية أفراد أسرتها من أخطار استعمال أجهزة في المطبخ تسيء إلى صحتهم؟
هذا ما دفعنا إلى تلمس وتحديد معالم ما أحدثته التقنيات في .. بالصورة الواقعية التي نستفيد خلالها من إيجابيات التقنية وفوائد الأغذية الطبيعية معاً.
الطاقة النظيفة تبدأ من داخل المنزل والتي تشكل حماية لجميع أفراد الأسرة، وخصوصاً الفئات الحساسة؛ الأطفال الصغار والحوامل.
نحن نناشد الجهات المعنية بهذا الجانب إخضاع جميع الأجهزة التي تصدر إشعاعات أو موجات كهرومغناطيسية ضارة؛ للفحوصات المخبرية الدقيقة وتطبيق الضوابط الصحية قبل السماح بتداولها في الأسواق، وأن يكون لديهم برامج إعلامية صحية من أجل نشر الوعي الثقافي والدراية الكاملة والإقناع العلمي لإبراز الإيجابيات والسلبيات ومحاذير استخدام مثل تلك الأجهزة التي تباع اليوم على عامة الناس دون معرفة آلية عملها، لذا يجب أن تتضافر الجهود لتصحيح السلوكيات الخاطئة.
عندما كنا صغاراً كنا نرى أمهاتنا في البيوت، وهن منهمكات في العمل، دأبت كل واحدة منهن من الصباح الباكر على إعداد الوجبات الثلاث الرئيسة، بخفة ونشاط، شغوفة مند نعومة أظفارها بإعداد وتجهيز الطعام، وتعيش معظم يومها بين أركان ما يسمى مطبخ، تعطي عملية الطهو الجودة والوقت والنفس الطيب، توارثتها من أمها وجدتها، الطهي على نار هادئة حتى لا تسحق النار فوائدها، فهي تعرف أدق دقائق الصنعة.
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات.



