أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

الناقد الحميدي: الكتابة الشعرية في القطيف متفوقة على تجارب خليجية وعربية

جمال الناصر · القطيف اليومالأحد 2 فبراير 2020، 2:19 م
الناقد الحميدي: الكتابة الشعرية في القطيف متفوقة على تجارب خليجية وعربية

أكد الناقد الثقافي والأدبي محمد الحميدي أن مشكلة التصور الخاطئ مزمنة في ثقافتنا، وليست وليدة اللحظة الراهنة، فالعديد من المثقفين، يتداولون مصطلحات ومفاهيم مغلوطة، أو لا يستوعبون معناها بالصورة الصحيحة، وهذا بدوره يؤثر سلبًا على استقبالهم للأعمال الإبداعية، ويوضح عجزهم عن التعليق عليها بأكثر من: جميل، رائع، أحسنت.
وناقش الحميدي النقد بالمنحنى الأدبي والثقافي، مبينًا أن الفرق بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، يتمثل في أن الصورة هي ما يجتمع عليه النقدان الأدبي والثقافي، فهي المشترك بين الكتابات الإبداعية، وعليها الاعتماد، لتوصيل الفكرة أو الشعور إلى المتلقي، فالكلمة في النص الإبداعي سواء كان شعرًا أم رواية أم مسرحية، هي الأساس الأول، الذي يُبنى عليه العمل المكتوب، وهذه الكلمة تتسق مع كلمات أخرى مرافقة ليتكون النص، ثم تأتي مرحلة التوزيع والتجانس بين النصوص داخل العمل ككل.
وقال: "ليس غريبًا أن تجد كاتبًا قد انتهى من تدوين مخطوطته منذ ثلاثين سنة، ثم جلس، يعيد تعديلها وتصويبها، فهي عملية لا تنتهي على كل حال، كشعراء الحوليات، الذين يصدرون قصيدة منقحة واحدة خلال عام كامل.
وتابع: هذه النصوص، وبعد تعديلها، إن كانت في عمل طويل، ككتاب كامل أو حتى إن كانت مقطعًا قصيرًا، كقصيدة أو شذرة؛ لا بد أن ينظمها اتساق محدد، وغالبًا ما سيكون صورة من الصور الجميلة والمعبرة، مبينًا أن التعبير المباشر سيخرجنا عن نطاق الأدب، بينما الإغراق في التجريد سيدخلنا في الفلسفة.
الصورة المعتمدة
وذكر الحميدي أن الصورة التي يعتمدها النقد الأدبي أساسًا لمقاربة الحالة الإبداعية، هي نفسها يقاربها النقد الثقافي، الذي يبحث ليس في تركيبها وتشكيلها الفني، وإنما فيما خلفها من أسرار وخفايا، وإلى رمزيتها وإشاريتها، واحتوائها على خطاب دال على نسق محدد، يتكون منه الذهن البشري لأمة من الأمم أو فئة من الشعوب أو تاريخ من تواريخ أهل الأرض.
وأضاف أنه إذا كانت الأهمية للكلمة في النقد الأدبي، فإنه في المقابل ستكون الأهمية للخطاب في النقد الثقافي، وإذا كان الأدبي يعتمد البناء النصي والرقي الكتابي، فإن الثقافي لا يكتفي بذلك، بل يستفيد منه، ويتجاوزه إلى الحالات الثقافية، والأوضاع الفكرية الدائرة، وهو ما يمكن تسميته بالنسق.
وقال: "نصل إلى استنتاج، يتمثل في أن النقدين الأدبي والثقافي، يلتقيان حول الصورة، وبنائها وتركيبها، ويختلفان في الاستفادة منها والاشتغال عليها، فحين يشتغل الأدبي على بناء الصورة، واستخراج جمالياتها، فإن الثقافي، يكتشف خطابها الخفي، وعملها بداخل اللاوعي الجمعي".
وتابع: "الصورة، وإن كانت مشتركًا بين الناقدين الأدبي والثقافي، فإن لكل واحد منهما استخدامًا مختلفًا لها، فالناقد الأدبي ينظر لها من ناحية جمالية بينما الناقد الثقافي يستفيد منها في معرفة الخطاب السائد، وكيفية تكونه، ومدى تأثيره على الذهنية الجماعية، إنهما يكملان بعضهما البعض، ويتقاطعان في وظيفتيهما، ويستفيد الناقد الثقافي من نتائج الناقد الأدبي.
فهم المصطلح
وعرف ضبط المصطلح النقدي، بأن للعلوم والفنون مصطلحات خاصة، يتم تداولها داخل الحقل الأدبي أو العلمي، وهذه المصطلحات تحدد تحديدًا دقيقًا، والمقصود من اللفظ ودلالته بشكل أكيد، فإذا انعدمت المعرفة الدقيقة بالمصطلح، سيكون المتلقي أمام خيار التفسير الذاتي للفظ وعرضة لسوء الفهم".
وأردف: "النقد لكونه أحد العلوم، فإنه يمتلك مصطلحات خاصة به، وتستطيع أن تحدد المقصود من الألفاظ، التي يستخدمها تحديدًا دقيقًا، وما يغيب عن بال الكثيرين، لا يعني امتلاك المصطلح القدرة على تفسيره أو الحديث عنه، بل يعني غالبًا إطلاع الشخص على مدرسة أو منهج أو تيار نقدي، أو بكل بساطة حصل عليه عبر حديث جانبي أو استماع".
وشدد على أن امتلاك المصطلح، يعني امتلاك معناه وفهمه الفهم الدقيق، وبالتالي القدرة على توظيفه داخل إطار العلم المرتبط به.
تصور خاطئ
وأشار إلى أن مجتمعنا الثقافي، يعاني من مشكلة أساسية حيال النقد، وقال: "لا أدعي عدم وجود نقاد، بل أقول إننا لدينا كثير منهم، بل وأكثر مما نتصور، ولكن هؤلاء يفتقرون للوعي النقدي، الذي ينبغي أن يقود خطواتهم تجاه النصوص، وقراءتها أو الأحداث واستقرائها بشكل صحيح".
وأضاف: "لا يعني ترديد مصطلحات، كموت المؤلف، أو الأفق، أو الانزياح، أو النص المفتوح، أو النص المغلق، أو التلقي، أو الاستجابة، أو التناص، أو اتحاد الأفق، أن المتحدث يدرك أبعاد المصطلح، بل وهنا المشكلة تزداد تعقيدًا، حيث يكون لديه تصور خاطئ عن المصطلح، إذن فإن مشكلة التصور الخاطئ مزمنة في ثقافتنا، وليست وليدة اللحظة الراهنة، فالعديد من المثقفين، يتداولون مصطلحات ومفاهيم مغلوطة، أو لا يستوعبون معناها بالصورة الصحيحة، وهذا بدوره يؤثر سلبًا على استقبالهم للأعمال الإبداعية، ويوضح عجزهم عن التعليق عليها بأكثر من: جميل، رائع، أحسنت، وأكد :هذا ليس نقدًا، إنما شعور، لا يمت للنقد بصلة".
الأدب المختلف
وأوضح الحميدي أن الصورة، هي المشترك بين الكتابات الإبداعية، وعليها الاعتماد، لتوصيل الفكرة أو الشعور إلى المتلقي، فهي أسهل كثيرًا من المباشرة والتجريد، كما يمكن التلاعب بها كيفما يشاء المبدع، حيث تجوز الإضافة والحذف والتغيير وخلافه، وعبر الصورة أنبتت منظومة البلاغة القديمة، وبرز التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية والطباق والمقابلة وحسن التخلص.
وأردف: "في العصر الراهن، تطور الإحساس بالصورة والشعور بأهميتها، فتم تقسيمها إلى صورة جزئية، تتكون من عدة صور متفرقة، وأخرى كلية، تضم الصور الجزئية المتفرقة لبناء صورة أشمل، واعتمدت في بنائها على التراسل بين الحواس، لإعطاء زخم أكبر للكاتب، وهو ما ساعد كثيرًا على نشوء أدب مختلف".
أشكال النقاد
وحدد الأشكال الثقافية للنقاد، وهم: الناقد المنهجي الممتلك للنظرية، والقادر على سبر أغوار النص، والناقد النظري، الذي يكتفي بالحديث عن النظرية دون القدرة على تطبيقها، والناقد الشاعري، الذي يتحدث حول الإبداع، ولا يسبر أغواره، ولا يستطيع مقاربة النصوص منهجيًا، والناقد التبجيلي أو التبخيسي، الذي يعلي من شأن النص أو يسقطه من الحسبان بكلمات قليلة وغير معللة، والناقد الانطباعي، الذي ينتج ما يشبه إبداع النص عبر ما ينطبع بداخله من صور وأحاسيس.
ونوه إلى أن أفضل ناقد؛ هو الناقد المنهجي لكونه امتلك النظرية واستطاع تطبيقها، مؤكدًا أن النقد الثقافي شمولي، يستوعب النقد الأدبي، والحاجة إلى النقد الأدبي باقية رغم وجود النقد الثقافي، فإنه الأساس الأول، الذي ينطلق منه، ومن دونه لن يستطيع الناقد استخدام إجراءاته وأدواته، وبيّن أن العلاقة بينهما، يمكن تمثيلها بقاعدة الهرم وقمته، فحين يتربع النقد الثقافي على قمة الهرم، نجد النقد الأدبي في قاعدته، وهذا بالطبع لا يعني شمول أحدهما للآخر واستيعابه بشكل كلي، بل إنه يشير إلى الاشتغالات، التي يمارسها كل منهما على حدة.
وأكمل: "حين يتجه النقد الأدبي إلى الأساس أو الأصول المبدئية، لتكوين الخطاب، وهي الكلمة والجملة والنص، نجد أن النقد الثقافي، يستفيد من مخرجات النقد الأدبي، ويستثمرها لدراسة الخطاب القادم عبر النصوص".
نظرية السياقية
وعرف النظرية السياقية، وتقسيمها لدى "بورس"، بأنها تتشكل من أربعة أجزاء تأتي على النحو التالي: السياق اللغوي، ويشتمل على الصوت والقافية والنحو والبلاغة والصرف واللهجات والدلالة والوزن، وكل ما له علاقة بتكوين المفردة، ومتصل بها من ناحية المعنى، وقد استخدم العرب هذا السياق النقدي لدراسة القصائد والمقارنة بينها وأسسوا نظريات خاصة بهم، والسياق المقامي أو سياق الحال: ويشمل الموقف الكلامي أو الحدث، الذي اشتملت عليه الأقوال؛ سواء كانت قصيدة أم حكاية أم مثلا، وهي توضح العلاقة بين المتحدث والمخاطب، وتضم الشخصيات المحيطة، ويمكن أن نجد هذا النوع في كتب الأدب كالأمالي أو الأغاني أو العقد الفريد أو شذور الذهب.
وتحدث عن "السياق العاطفي الانفعالي"، وقال: "إنه يحوي القوة الانفعالية التي تحدثها الكلمات خلال إلقائها أو عبر كتابتها وإصدارها"، مشيرًا إلى أن السياق الثقافي هو الذي يشمل جميع الأنواع السابقة، ويحتويها بغرض دراستها واستقرائها، لاكتشاف الخطاب النسقي الذي يسير بداخلها، ويحكم العقلية الاجتماعية والثقافية التي أنتجته.
وأشار إلى أن العرب خلال تاريخهم النقدي السابق انصب تركيزهم على النوعين الأول والثاني، أما النوعان الثالث والرابع فهما من نتاج الثقافة الغربية، وتمت الاستفادة منهما مؤخرًا في الدراسات النقدية.
وقال: "قد يصل القارئ إلى نتيجة مفادها بأن النقد الثقافي هكذا يشتمل النقد الأدبي ويتجاوزه، وهو صحيح نظريًا، إنما تطبيقيًا فهو صعب؛ لأن النقد الأدبي، يمثل قاعدة لا غنى عنها، لبناء النقد الثقافي الساعي للكشف عن خطابات الأنساق المختفية، لكنه قد ينسى من ناحية ثانية أن النقد الأدبي نقد جمالي، يهتم بالنص وإبراز سماته، ولا علاقة له بالخطابات والأنساق، وهو ما يجعل الفصل بينهما أمرًا واجبًا".
المنجز والنقد
وشدد على أن جودة النقد ضرورية للارتقاء بالمنجز، وحين يغيب، فإن المنجز يتوقف عن النمو، ويظل أسير القوالب المعتادة، موضحًا أن للناقد أدوات كثيرة، يستخدمها لمقاربة المنجز الإبداعي، وعليه الوعي بهذه الأدوات، واستخدامها استخدامًا صحيحًا، فعدم الوعي بالأدوات وآثارها، سيتسبب بنوع من الفوضى، التي لا يمكنه السيطرة عليها.
وقال: "الناقد الجيد لا يهتم بإبراز العيوب بقدر اهتمامه بإبراز المحاسن؛ لأن العيوب عادة ما تظهر وتتضح للجميع، أما المحاسن، فهي التي لا يلاحظها القارئ أو يلاحظها ولا يتوقف عندها، وهذه الرؤية أصابت النقاد عبر الأزمنة المختلفة بسوء السمعة، وربطت بينهم وبين "المخيف"، ولذا أصبحت هنالك خشية من المبدع، تجاه الناقد".
وتابع: "رغم أن الخشية لها ما يبررها، إلا أن العلاقة من هذا النوع، تتسبب في تنافر واضح بينهما، وتؤدي إلى نشوب معارك مجانية بين الطرفين نتيجتها تهاوي الإبداع وسقوطه، لانشغال البيئة بالمماحكات غير المثمرة".
ودعا إلى أنه ينبغي الالتفات لهذه النقطة، وعدم إعطائها حجمًا أكبر من حجمها الطبيعي، فإن الفن الراقي والإبداع العالي، يفرض حضوره، وينال الشهرة والرواج.
دلالة الحرف
وبيّن أن دلالة الحرف المهموس، والحرف المجهور على المحتوى الأدبي، بأنه تتفق الكتابات الإبداعية، خصوصًا الشعرية على أهمية الاستخدام اللغوي، وقال: "ثمة أسباب كثيرة، تدفع إلى هذه الأهمية، منها ما يتعلق بالمتلقي، كجذبه وإدهاشه، ومنها ما يتعلق بالكتابة نفسها، كإدخال نوع من الشعور، والتنويع بداخل النص لئلا يشعر المتلقي بالملل أو لقطع استطراد وما شابه، ومنها ما يتعلق بالكاتب، كإبرازه لفنه، وقدرته على التلاعب اللفظي، والتحسين البلاغي".
ولفت إلى أن هذا الاستخدام اللغوي، يحتاج إلى معرفة الفرق بين الكلمات بشكل أساسي، ومن ثم إلى معرفة الأساليب، ولكن الأصل في المعرفة لا يعود إلى هذين النوعين، اللذين يعتبران تفرعات لمعرفة أصلية، هي معرفة الحروف، وكيفية استعمالها سواء داخل الكتابة أو عبر الإلقاء.
وأوضح أن للحروف ميزات مختلفة، تتفق وتختلف؛ منها الفخامة والرقة والإزعاج، ومنها الهمس والجهر، فبعض الأحرف تعتبر من الأحرف المناسبة للهمس والصوت الرقيق والمنساب دون توقف والمؤثر على نفس السامع، وبعضها يسبب الصدمة ويبعث الرهبة والخوف، ويتسم بالصراخ وعلو الصوت.
ماهية التجريد
عرف -الحميدي- التجريد في الكتابة الأدبية، بأنه البعد عن المحسوسات، والاكتفاء بوصفها عبر عبارات وألفاظ لا يمكن إدراكها بالحواس الخمس، إنما عبر العقل فقط، لافتًا إلى أن هذه الطريقة، يستخدمها الفلاسفة للوصول إلى الدلالة بدقة، ولطرح الأسئلة الدقيقة، التي ينبغي الإجابة عنها دون أن تتقاطع مع أسئلة أو أفكار أخرى.
وذكر أن الشاعر أو الناثر عدته الأدبية، هي الصورة، التي تحتاج في بنائها إلى مزيد من الأدوات المحسوسة، كالأشياء المرئية أو الملموسة أو الروائح، وهي مما يدخل في تركيبها، ويساعد المتلقي على بلوغ حالة الكاتب، وقال: "بينما هذه الحالة غير موجودة لدى الفيلسوف، الذي يسعى إلى إقامة بنيان عقلي فحسب لا إلى إنشاء نص جمالي".
إبداعات القطيف
في ختام مناقشته، أكد أن الكتابة الشعرية في القطيف ثرية بمعنى الكلمة، ومتفوقة على كثير من التجارب في المحيطين الخليجي والعربي، منوهًا بأنه لا يوجد شيئًا أدل على ذلك من حصول الشعراء على كثير من الجوائز والتكريمات مؤخرًا، ولعل ذلك يعود بالأساس إلى اجتهاد الأفراد، وتجاوزهم للحالة الثقافية السائدة، وقدرتهم على توظيف أدواتهم بشكل ممتاز.
وأشار إلى أن الإبداع الشعري، تفوّق بجهود أفراده لا بجهود المجموعات أو الأصدقاء أو النقاد، وهي حقيقة، ينبغي الاعتراف بها والإشادة بأصحابها الموهوبين.

بلدات:القطيف