أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

من حلة محيش.. الجنبي يستوطن ما تبقى من سوق الحدادين وراثةً

معصومة آل حسين · القطيف اليومالجمعة 6 مارس 2020، 1:59 م
من حلة محيش.. الجنبي يستوطن ما تبقى من سوق الحدادين وراثةً

في "حلّته" يصدحُ بصوت الحقّ عند الصلاة فتخشعُ جوارحَك بصوتهِ الشّجي، وبينَ أنفاسهِ وجوارحهِ يصافحُك الماضي ورائحة الأجداد الطيبين وعبق التراث الأصيل وتعب الماضين وكفاحهم.
وبين يديهِ وقسمات وجهه ترى قسمات جدّهِ الراحل وموروث مهنةٍ مات صاحبها، لكنها بقت فتيّةً مع أحفاده، ومع "صادقهم" بالذات كان الموروث شغفًا تغلغل بداخلهِ واشرأبت نفسهُ به، فكانت مهنةُ "الحدادة الشعبية" عملًا وأملًا وحياةً وكفاحًا.
في سوق الحدادين أو ما تبقّى منها بالأحرى، تجد صادق محمد عبد الله الجنبي، شابٌ أربعيني متزوج ولديه ٣ أبناء، يزاولُ مهنة الحدادة الشعبية في دكانهِ البسيط الذي ورث العمل فيه عن جدّه لأبيه.
تذكرة
لم يرَ "الجنبي" سوق الحدادين القديمة في سوق ميّاس بالجبلة، لكنّه سمِع بها من جدّه، هذه السوق التي انتقلت فيما بعد لمنطقة التوبي بالقرب من مخبز أبو السعود، لتستقرّ أخيرًا في مكانها الحالي بالقرب من سوق الخميس القديمة، حيثُ كانت أرضًا خالية بنى فيها جدّه دكانهُ الصغير بعيدًا عن ضجيج الحياة وناسها وقريبًا من ضجيج الحدادين ومطارقهم، هذا الدكان الذي أصبح فيما بعد تذكرة الدخول لحفيده ِصادق إلى عالم الحدادة الشعبية التي توارثها إخوتهُ من جدّهم وصولاً إليه وهو في سن الخامسة والعشرين، فأصبحت عملهُ الرئيس الذي يخلقُ فيه الحياة والكفاح والإصرار برغم التعب والعناء والمشقة.
موسم النخلة
قد يشتبهُ على الكثيرين مهنة الحدادة الشعبية التي يمارسها "الجنبي"، المنحدر من حلة محيش بالحدادة المعروفة والمشهورة، فالحدادة الشعبية هي مهنةٌ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنخلة ولا سيّما موسمها السنوي الذي تحتاج فيه إلى الرعاية الخاصة إلى حين تحديرها، وتتطلبّ للعناية بها أدوات التجميل والتنسيق الخاصة بها: كالمحش والمنجل والسخين والعمود والسكين.
حدّثنا بشغف
ليس من السهل أن تلتمس الصدق فيمن يحدثك عن بُعد، لكنّ "الجنبي" بكل شغفهِ بمهنتهِ أوصل حديثه لـ«القطيف اليوم» قائلًا: "الحدادة من المهن الشاقة والصعبة، فالحدّادون يتعاملون فيها مع الحديد والنار ويتعرّضون لدرجات حرارة عالية وانبعاث الغازات الضارة والرطوبة وضرب المطرقة، لكنّني أشعر بالسعادة بمزاولتي لعملي الشاق، فأنا الشاب الوحيد الشاب الذي لا يزال محتفظًا بهذه المهنة بالرغم من كل تبعاتِها والإصابات التي نتعرّض لها".
وأكمل: "تعرضتُ للكثير من إصابات العمل كوننا نتعامل مع النار والحديد، فالنار تترك بصمتها على أجساد الحدادين، وقد دخلت شظية في فخذي قبل ١٣ سنة وإلى الآن موجودة، ناهيك عن الجروح التي تكاد تكون يومية بسبب سنّ السكاكين، والتعب الجسدي للمفاصل والعضلات والأقدام، وحتى حساسية الصدر (الربو) من الدخان الناتج عن الفحم".

أدوات ومنتجات
من الحديد والنار والمطرقة والمنفاخ والمبرد ينتج "الجنبي" أدوات كثيرة لا تزال مطلوبة بالرغم من دخولنا عصر الانفجار التقني، وتختلف مدة صنعها بحسب نوعها، فالمنجل قد يستغرق ٢٠ دقيقة لصنعه، بينما المحش والعمود والقدوم والسكاكين والسواطير والسخين تأخذ وقتًا مختلفًا.
أدوات تأبى النخلة والأشجار إلا أن تكون موجودة لتجميلها في كل وقت، لا سيما مواسمها المعروفة.
أمنيةٌ لا تنام
ومن كُلّ الأدوات التي يصنعُها "الجنبي"، هناك قطعٌ مصغّرة منها يحتفظُ بها للذكرى بناءً على طلبٍ من ابنه الصغير، وفي داخل كُلّ تلك الأدوات أمنيةٌ لا تنام يبوحُ بها "الجنبي" فيقول: "أمنيتي تتجلى في "سوقٍ كبيرة" كما هو الحال في سوق المباركية بالكويت وسوق التراث بدبي وغيرها من أسواق الدول الخليجية، سوقٌ متكاملة للتراث بكل حرفه ومهنهِ المختلفة التي تجعلنا نعانق رائحة آبائنا وأجدادنا، ففي داخلي خوفٌ من انقراض هذه المهنة، وأنا على يقين بأنّ هذه السوق ستلقى إقبالاً كبيرًا، فالحنين للماضي لا يموتُ أبدًا".

بلدات:حلة محيش