الرويعي: شعراء القطيف غرباء وتويتر أوصل القصيدة إلى مستوى متدنٍ

هل يعيش الشاعر القطيفي في غربة كأنما الغارق في الممشى وحيدًا يستظل من حرارة الشمس، بكتابة قصيدته؟ يؤيد هذا التساؤل الشاعر أحمد الرويعي المنحدر من جزيرة تاروت، بأن الشعراء في القطيف غرباء، ولا توجد إحاطة لهم، ولا يتم الاحتفاء بهم، وفي حال فوز أحدهم، فإن الاحتفاء به يكون لحظيًا بشكل بسيط.
ويقول: "إن الشاعر القطيفي، يعاني الغربة، وإذا لم يكن قويًا في مواجهتها، فإن تجربته الشعرية، تنتهي فصولها"، مؤكدًا أن هذه حقيقية، لا يمكن تجاوزها.
وأشار إلى أن الغربة لا تقف عند عدم الاحتواء والاحتفاء، بل تتعداها إلى الشللية، وممارسة النقد، مبينًا بقوله: "بكل صراحة، إننا في القطيف، نعاني من الشللية، والشاعر القطيفي غريب، يعاني من النقد، حيث إن النقد في فضاءات القطيف الشعرية، موجه لفئة معينة، أو النوع، الذي يحبه الناقد".
وذكر أن الشعراء في القطيف، الإعلام لا يتوجه لهم، ولا توجد البيئة، التي تجعلهم يبدعون، باختلاف المناطق الأخرى، التي تهتم بشعرائها، وتحتويهم، وتخلق لهم بيئة، يبدعون من خلالها أكثر، متابعًا: "من دون مبالغة، إن شعراء القطيف أعدهم من أفضل الشعراء، وهم ينافسون على مستوى العالم".
جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها الرويعي مساء الإثنين 13 إبريل 2020، في موقع حساب دار أطياف على قناة التواصل الاجتماعي "إنستغرام"، بعنوان "حوار حول الشعر".
لم أكن أعلم
وتحدث عن بداية قرضه الشعر، والمفاجأة، التي لم يتوقعها لتكون النافذة التي تأخذه ناحية ضفاف الشعر لتشكل في بدايته أبرز الصعوبات التي واجهها، فيذكر الشاعر الرويعي، صاحب ديوان "نافذة تطل على العرش"، المشارك في العديد من المسابقات والمحافل، أنه بدأ قرض الشعر عام 2012م، قبل ثماني سنوات، وأنه لم يكن يمتلك شخصية الشاعر نهائيًا في بداياته، ولم يكن متوقعًا أن منزلهم توجد فيه مكتبة.
وأضاف قائلًا: "أبي، كان يكتب الشعر، ولم أكن أعلم بذلك، حينها، تخرجت من المرحلة الثانوية، وكان لدي من الوقت، ما مكنني من تغذية موهبتي".
وأوضح في ذات السياق، أن الانتماء إلى حديقة الشعراء، هي المهمة الأصعب في مسيرتي الشعرية، وتكوين شخصيتي الشعرية، والتعايش معها، وفي إثرها، متلازمة ذات وفكر، مع الأحرف والكلمات، محبًا الشعر الحديث، لأنه يتجدد، وفيه مسافات ظل، يشعر أنه يمتلك المسافات الوارفة فيه، ليمارس الركض.
الموهبة ورقم 3
يشير الشاعر إلى أن الموهبة جزء أساسي، ولكنها ليست كل شيء في حكاية الشاعر، ونسج أحرفه، فالموهبة وحدها لا تخلق من الإنسان، كاتبا أو فنانًا أو شاعرًا مميزًا، منوهًا بأن الاجتهاد شيء أساسي في كتابة النص.
وأضاف: ينبغي أن يمتلك الشاعر 3 نقاط، بعد الموهبة والاجتهاد، أولها: الدراية، وذلك بأن يعرف الهدف، الذي يريد الوصول إليه، وما هي الصورة التي يريدها، لملامح يراعه، ونسج كلماته، أن تكون في السنوات القادمة، وما هو الشعر، الذي يمثل فانوس ظلمات التيه في يقظته، وكيف يبصره ليقدمه إلى المتلقي، وفي أيها القالب، الذي ينشده.
وتابع: "والثانية الذوق الذي قسمه إلى قسمين، الفطري، والذوق الناتج من تنوع القراءات في أكثر نوع من الأدب".
وذكر أن الثالث هو التخطيط، حيث إن الشاعر إذا امتلك الدراية، فإنه سيعرف، كيف يخطط في تجربته الشعرية، وماذا يقرأ؟ وفي أي الكلمات يضع "دروازة" وقته، وقال: "إن التخطيط، يمثل الزاد، الذي يحتاجه الشاعر من تغذية وماء، للوصول إلى هدفه.
الشاعر حكيم
وأفاد بأن الشيء المفصلي في حياة الشاعر أن يكون شاعرًا متجددًا، وهاجسه متجددًا، يتحدى نفسه دائمًا، كما أن وجود الحكمة في ذات الشاعر، مهم جدًا.
وعن كيفية أن يكون الشاعر حكيمًا، أجاب: إن الحكمة، تأتي إلى الشاعر من خلال ولوجه في المعرفة، كذلك من تجربته الشخصية، وقال: "من هذه الأشياء، جاءت تجربتي الشعرية".
الاستغراق معضلة
لم يغفل ضيف حلقة دار أطياف الوغول في ذات الشاعر، الذي ترهقه اللحظة الشعرية، وتطفئه، بعد انتهاء حالته الشعرية، مبتعدًا عن الاستغراق في القصيدة، لوقت آخر، كونها تدخله في الممل، غير المستساغ.
وفي كيفية علاجه لهذه المعضلة، التي تخترق وهم بعض الشعراء، مجيبًا عن سؤال: لماذا يمل الشعراء؟ قال: "المفروض أن مفعول القصيدة لا ينتهي بمجرد الانتهاء من لحظة الكتابة، إنها أكبر من اللحظة الشعورية، وإن الشاعر، هو من يستجلب اللحظة الشعرية، كونه فنانًا".
وأوضح أن القصيدة مهما كتبها الشاعر، لن تكتمل، لأن الشاعر، يتذكرها أثناء كتابتها بطريقته الخاصة، وإلا فإنها موجودة بشكل من الأشكال، منوهًا بأنه إذا كانت القصيدة، تمثل هم الشاعر وقلقه، فلن يمل من بنائها، وكتابتها.
وبين أنه ربما يمل الشاعر من صراعه مع القافية لصعوبتها وتكرارها، وتكرار المعنى، نضوب الخيال، هنا قد يمل، مشددًا عليه بوضع تخطيط معين، والمحاور، التي يريد أن يكتب عنها، وقال: "لابد أن يعرف الشاعر السيناريو، الذي يريد اتباعه في نسج قصيدته".
ما معنى القصيدة؟
واستنكر السؤال الكلاسيكي، الذي يوجه عادة للشعراء، والذي مفاده: ما معنى هذه القصيدة؟ أو ما معنى هذا البيت؟! مجيبًا بأن تعدد الأذهان، التي تدخلها القصيدة مختلفة وطريقة الفهم لها، تختلف، مشيرًا إلى أن متلقيًا هنا يخرج بمعنى، وآخر يخرج بمعنى مختلف، ودواليك.
الضعف وتقويته
وعن ضعف أدوات الشاعر، وتقنياته، كضعف الخيال، يرى الرويعي أن تقويته تكون من خلال قراءة الرواية الأدبية، بأنها من أهم السبل في تطور الخيال، مبينًا أن ذلك يرجع إلى أنها تمتلك في ساحتها تجارب الآخرين، التي تضاف إلى تجارب الشاعر، وتصوراته في ذاته، فتترتب، وتتناسق، لتمنحه ممارسة عملية ربط العلاقات.
ووجه بأن الشاعر، ينبغي أن يتعلم ربط الأشياء بعضها ببعض، ليكتشف بيئتها، وفاعلية تكوينها، ونتيجتها.
وفيما يتعلق بضعف اللغة، يدعو إلى ممارسة الكتابة والقراءة، وتدوين الكلمات، التي يجد الشاعر أنها مناسبة لذائقته، إضافة إلى التراكيب اللغوية، والصور الجمالية.
وعن القافية، بين أنه يتم تقويتها من خلال العناد، مؤكدًا أنه على قدر عناد الشاعر، فإنه سيغرق نصه بالقافية المناسبة، التي تضيء مرايا النص.
وقال: "إن القافية، أراها محور البيت الشعري، وفي قوتها، امتلاك بناء الدهشة".
السينما في الشعر
وتطرق إلى علاقة القصيدة بفلسفة التوجه البصري، والحبكة الدرامية في الأفلام، حيث يسكبها على رؤياه في بناء النص.
وتساءل: هل من الممكن أن تكون القصيدة فيديو؟، من طابع كل بيت، يحمل طابعًا معينًا إلى كونها "فيديو"؟، يجيب، نعم، يحدث ذلك إذا دخلت التقنيات على القصيدة، فتصبح "فيديو".
وقال: "إن القصيدة يمكن تحويلها إلى فيديو من خلال ما نسميه بـ السينما الشعرية، فالقصيدة، التي تحتوي على تقنيات السينما، لتكون حيوية وفاعلة، نستطيع تخيلها ومشاهدتها.
وتابع: "إنه بوجود صورة متحركة، ذات علاقة مترابطة، ليست سردية، ولكنها في تدرج معانيها، تأتي سردية المعنى"، موضحًا أن المعنى الكثير، يتسلسل، ليكون كاملاً تحت قالب الشعر.
ويبحر في التفاصيل: "نستخدم في هذا التحويل، كما في الأفلام السينمائية، التي تعنى بأخذ مقتطفات من الفيلم، لتعرض، بحيث لا تحرق أحداثه، ولكن تجعل المشاهد، كله شوق لمشاهدة الفيلم".
وأوضح أن الفيلم في عالم الشعر، يكمن في المعنى، وقال: "نأخذ مقتطفات ذات المعنى، ونجعلها مترابطة، تشكل نص القصيدة، دون كشف الفيلم "المعنى"، ليأتي المتلقي، ويكمل نصفها الآخر من خلال معرفته، وذاته، وثقافته".
وأردف: "من هنا، تكون القصيدة جذابة، يتأثر بها المستمع، ليكون فضوليًا، لمعرفة تفاصيلها".
تويتر والمتلقي
وفي نهاية الحوار الشعري، أشار إلى أنه في الآونة الأخيرة، توضع من قبل الشعراء في قناة التواصل الاجتماعي "تويتر"، أبيات شعرية، لا تمثل تجربتهم الشعرية الخاصة، والبعض منهم، استغلوا التفاعل والإعجاب، لذا تجدهم نزلوا بالقصيدة إلى مستوى متدنٍ، لينسجوا أحرفهم بصور مستهلكة بلا اشتغال، يثري النص، ويحكي التجربة.
وأوضح أن القصيدة انتقلت من الاشتغال، كوحدة كاملة من مطلعها إلى نهايتها، إلى كونها صورة، أو قصة قصيرة..، اعتمادًا على سيكولوجية الجمهور، ونفسية المتلقي، وثقافة الإرضاء.
وتمنى أن يصل الشعراء بالشعر إلى مرحلة يكون فيها مقام التحدي مع الفنون الأخرى، كالقصة، والرواية والفيلم، وأن يصلوا إلى هذا المستوى من التفكير في مسار الطموح لديهم كشعراء، ناصحًا المبتدئين من الشعراء بالقراءة بشكل مكثف، وتعلم الوزن واحدًا تلو الآخر.



