الحميدي..بين الشهداء والتعرض للضوء

...
وقَّتَ الحميدي في رواية " الشهداء " أرقامه التنازلية بدقة كبيرة فكان العد التنازلي للحظة الانفجار متقنا.
كانت مقدمته عن الكثير مما يتصل بالجميلة النائمة ليست مجرد إطلالة جغرافية وتاريخية على المنطقة بل كانت تحليلا معمقا للوصول إلى الحدث، الجريمة،المجزرة، الفاجعة، الاستشهاد، الثكل، اليتم، وما يتصل بها، والتي ما إن أنهاها حتى بدأ ينفض غبار الانفجار عن قلب " جميلته النائمة " وبدأ مسارا تصاعديا موازيا نحو الأمل، الفخر، الكرامة، الإباء، والزرع وإعادة الإعمار وما يتصل به.
على الرغم مما قيل أن حوارية الأرض والذئب في " الشهداء " ـ قد استخدمت لغة غير اعتيادية تسير بها ناحية الرمزية الإيحائية بعيدا عن المباشرة الحسية ـ إلا أنني ـ ولأنني لست من أهل الإختصتص على الأغلب ـ أرى بأن الرواية اتخذت اسلوب الصراحة الفكرية المؤكدة التي لم تدخر فرصة إلا وأعادت المصارحة بإضافة الشواهد والبراهين التاريخية على أن الذئب وإن تطبع السلم إلا أنه من المحال أن يتغلب على طبع الافتراس.
هنا تحديدا أضع احتمالين للسؤال الذي طاردني على مسار الرواية ولم أستطع إيجاد جواب له من داخلها..
هو أن الكاتب لجأ إلى هذا الحد من المصارحة معتمدا على عامل انحدار معدل القراءة لدينا بشكل عام وأن جسارته وشجاعته لن تواجه بأي تهور من أي ذئبٍ من قطيع الذئاب العطشى للدم.
أو أنه رفع مستوى الاستعداد للتضحية إلى أقصاه... !
إن من يكتب عن الشهداء لن يدس رأسه في تراب الخوف والعار.. ولن يعتبر نفسه أغلى منهم..
إن " الحميدي " الذي اعتبر الشهداء ـ " كائنات ضوئية لا تموت.. وأوصى الوطن بالنهوض سريعا وكتابة تاريخ الشهداء أسفل أسمائهم التي كتبها الإرهاب على مراقدهم.. مؤكدا قولا وعملا على مسار روايته بأن المنتصر الحقيقي هو من يكتب التاريخ.. لا الأسماء وحسب ـ أقول بأنه لن يخشى التعرض للضوء بكل هذا الحرص على الصراحة.



