أنت مسؤول عن التسممات الغذائية

يعتبر التسمم الغذائي إحدى أهم المشاكل الغذائية التي يعاني منها العالم بأسره، وذلك لأسباب أهمها تحسن القوة الشرائية لدى الفرد، الأمر الذي من شأنه شراء كميات كبيرة من الأغذية مع قلة الوعي بطريقة التخزين والتحضير.
ومن الأسباب أيضاً التوسع الهائل في استخدام المواد الكيميائية في مراحل الإنتاج والتصنيع التي أفرزت فيه شيئا من سمومها، وتداول الأغذية ونقلها من بلد لآخر مما يجعلها عرضة للملوثات المختلفة، بالإضافة إلى ذلك، فإن إيقاع الحياة السريع، والانشغال بمعركة الحياة اليومية زاد ارتياد الناس للمطاعم، وتناول الأطعمة خارج المنزل، الذي زامنه وجود عمالة غير مؤهلة للعمل في هذا القطاع، وضمائر ميتة همها جمع الأموال، من العوامل التي تجعل فرصة التعرض لحوادث التسمم أكبر.
ومن المعروف أن التسممات الغذائية لا تحدث كثيراً في المجتمعات الريفية والفقيرة ذات الموارد الغذائية المحدودة، نظراً لكون هذه المجتمعات قريبة من مواطن الإنتاج وتستهلك ما تنتجه مباشرة دون فائض يلزم الولوج في التصنيع والتداول اللذين يشاركان في مشكلات التسمم الغذائي.
التسمم الغذائي معناه حدوث مرض بعد تناول غذاء ملوث ميكروبياً أو كيمياوياً أو غيرها، وقد تظهر الأعراض مباشرة "سمية حادة" أو بعد فترة زمنية تتراوح بين أيام أو شهور أو سنوات "سمية مزمنة" حسب طبيعة المسبب والمصاب، وغالباً ما تؤدي إلى اضطرابات في وظائف الجسم وقد تتوقف بعض الوظائف الحيوية المهمة.
والتسممات الغذائية متعددة المصادر أشهرها التسمم الميكروبي أو الكيميائي أو الفيزيائي أو الإشعاعي والتي ينتج عنها إصابة المستهلك بأمراض يصعب علاجها.
• التسمم الميكروبي: يحدث نتيجة لتناول غذاء يحتوي على ميكروبات ممرضة أو سموم ناتجة عنها أو كلتيهما معاً وهو الأكثر انتشاراً.
التسمم الكيميائي: يحدث نتيجة لتناول غذاء ملوث بالكيماويات مثل بقايا المبيدات الحشرية والمعادن الثقيلة، ومركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات وغيرها.
• التسمم الطبيعي: يحدث نتيجة لتناول أغذية سامة بطبيعتها مثل بعض الأحياء البحرية والنباتية والأجسام الغريبة.
• التسمم بالمركبات العشبية والنباتات الطبية: لا شك أن التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية أخذ ينتشر بصورة كبيرة جداً بين الناس، ليس عندنا فقط بل في العالم أجمع، ولعل اعتراف أشهر المنظمات الصحية وإدخال مثل هذه المواد ضمن الأدوية لدليل على هذا التوجه، لكن لا شك أن لكل أمر حدوداً ومعالم، وكل شيء جاوز الحد سينقلب للضد، ولا يخلو ما يقال ويمارس من مبالغات، وربما استغل بعض ضعاف النفوس الأمر للشعوذة أو كسب المال، بصنع وصفات عشبية مغشوشة، بإضافة مستحضرات صيدلانية وسحقها ثم خلطها على هيئة برشامة عشبية لعلاج بعض الأمراض الشائعة، وغالباً ما تأتي بنتائج عكسية على صحة الإنسان، وقد ضبطت الهيئة العامة للغذاء والدواء العديد من تلك الخلطات المحتوية على عناصر ومركبات سمية شديدة الخطورة.
عندما أتحدث عن التسمم الغذائي فمن المفيد أن يكون الطرح كافياً من أجل حماية أنفسنا وأطفالنا من حوادث التسممات الضارة بالصحة، يبدأ بتغيير سلوكياتنا الخاطئة فيما نأكله أو نشربه، وهو الجانب الذي يلزم الاهتمام به كون أكثر حوادث التسمم تقع خارج المنزل، وينتهي بضبط التجاوزات التي شاعت مؤخراً في العديد من المنشآت الغذائية، هذا ما شجعني أن أتناول هذا الطرح في إطار الوقاية من التسممات الغذائية.
سن التشريعات والقوانين التي تكفل الحد من دخول مسببات التسمم إلى سلة الغذاء، أو التي تضمن القضاء عليه أو الحد من تعاظمها إن وجدت، ويقوم بهذا الجانب جهات رقابية تشارك في تحقيق الأهداف المرجوة.
• المسؤول عن تطبيق تلك الإجراءات الرقابية والاحترازية، تقوم بها الجهات المعنية بسلامة صحة المستهلك.
تركيز وسائل الإعلام المختلفة هذه الأيام بتلوث الفواكه والخضراوات المصرية شكل هاجساً يؤرق المسؤول، كما يؤرق المواطن، من هنا اتخذت الهيئة العامة للغذاء والدواء تدابير ملزمة كشرط لدخول المنتجات الزراعية المصرية وهي:
• يجب أن تكون المحاصيل الزراعية الطازجة والمعبأة من منشأة معتمدة مصحوبة بشهادة رسمية تؤكد خلوها من السموم والملوثات الضارة بالصحة.
• إخضاع المنتجات الزراعية الطازجة والمعبأة للفحوصات المخبرية وخصوصاً بقايا المبيدات الحشرية + والمعادن الثقيلة + والفحص الجرثومي والـ (PCR) للتأكد من خلوها من فيروس التهاب الكبد الوبائي A.
• هناك إجراءات احترازية إضافية تتم بشكل دوري، هي تحديث قوائم المنشآت المعتمدة من خلال القيام بزيارات متكررة لفريق من الهيئة للمنشآت التي تم اعتمادها مسبقاً، لضمان سلامة ومأمونية المنتجات المصرية، وقد تم شطب عدد من المنشآت، وتعليق عدد آخر منها نتيجة عدم التقيد بالضوابط الصحية.
من الضروري اتباع الخطوات الآمنة في تداول الأغذية وطبخها وتخزينها، وذلك للوقاية من التسممات الغذائية، فأنت لا تستطيع أن ترى أو تشم أو تتذوق البكتيريا الضارة الموجودة في الغذاء، والتي قد تسبب لك السمية.
لكي نحد من التسمم الغذائي الجرثومي، كون معظم حوادث التسمم ناتجة عنه، يجب أن يعرف المستهلك دوره في حماية نفسه من مخاطر التسممات، هناك ثمة أمور يلزم اتباعها منها:
• طهي الأغذية بالطرق الصحيحة ومعرفة درجات نضج الأغذية المختلفة.
• إلزام المطاعم والمنشآت الغذائية بالاشتراطات الصحية، بداية من شراء الأغذية مروراً بتخزينها الصحيح ثم مرحلة إنتاجها وتداولها من قبل العاملين حتى تقديمها للمستهلك، حيث إن أي خطأ في تلك المراحل جميعها أو إحداها يمكن أن يؤدي إلى فساد الغذاء.
• التخلص من بقايا المعلبات بعد فتحها.
• استبعاد المعلبات المنتفخة، كونها دليلاً على الفساد الغازي لمحتوياتها.
• تفسد الأغذية التي تقدم ساخنة إذا تركت أكثر من ساعتين في درجة حرارة الغرفة.
• تفسد الأغذية التي تقدم باردة إذا تركت أكثر من ساعتين في درجة حرارة الغرفة.
• حفظ الأطعمة الحارة في مكان دافئ والأطعمة الباردة في مكان بارد.
• بعد التسوق لا يجب ترك المواد الغذائية في السيارة لمدة طويلة بل يجب الإسراع بحفظها في الثلاجة والفريزر مباشرة بعد وصولك للمنزل.
• يجب وضع الأشياء المجمدة في الفريزر بعد تغليفها بصورة جيدة.
• يجب التأكد من تمام طهو اللحوم والأسماك والدواجن والبيض.
• يجب أن تحتفظ بمقياس حرارة داخلي يمكن غرزه في اللحم للتأكد من الحرارة الداخلية التي وصل إليها اللحم.
• مراعاة الفصل بين الطعام المعد والنيئ، وذلك باستخدام الأدوات وألواح التقطيع المنفصلة لكل منهما.
• الاهتمام بطهي الغذاء جيداً عند درجات حرارة أعلى من 70 °م حتى تصل الحرارة إلى كل أجزاء الطعام.
• يقدم الطعام الساخن على درجة حرارة عالية وليس دافئاً ويحفظ في أوانٍ مخصصة لذلك لحفظ درجة حرارته.
• تأكد من سخونة الأغذية الساخنة عند تقدميها، وأنها حفظت ساخنة (أعلى من 60ْ°م).
• استخدام بقايا الطعام المطبوخ في غضون 4 أيام.
• الطريقة المثلى لتسييح الأغذية المجمدة هي وضعها في الثلاجة قبل الإعداد بفترة كافية.
• لا تتناول أي غذاء قد تشك في تغير خواصه من طعم أو لون أو رائحة أو قوام.
• إبعاد البيض المكسور لكونه وسيلة مهمة في نقل أحد مسببات التسممات الغذائية.
إن الجسم لا يصاب بأمراض إلا إذا تعرض لخلل في أحد أنسجته أو أحد أعضائه، والجراثيم لا تصيب الجسم الصحيح، ولكنها تتغلب على الجسم إذا أصابه الخلل، وهو ما يفسر تعرض شخصين لنفس الجراثيم ولنفس الظروف، ولكن أحدهما يصاب بالمرض دون الآخر.
وأخيراً، إن وعي المستهلك المتنامي، وصرامة الرقابة، ستوصل - بإذن الله - في النهاية إلى توفير غذاء جيد وآمن إلى حد كبير.
ويبقى التسمم الغذائي حقيقة مرة عالمية وليست محلية، فهي أيضاً مرتبطة بالبلدان المتقدمة صناعياً واقتصادياً.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



