مائدة أمي والدهشة.. 7

الماضي، ترادفات المواقف السلبية، الذاكرة الموغلة في الألم، كيف، تعالجها أمي من خلال حكاياتها؟
لم يكن يومًا عاديًا، كانت نافذة مجلسنا، تتراقص عليه حبات المطر، ونحن نرتشف القهوة، كنت حزينًا حينها، كأنما أمي قرأت ذلك في عيني، أو تسربت رائحة شفتي من بصرها إلى قلبها، لا أعلم، للأمهات طرقهن في معرفة ما يسبح في خواطر الأبناء.
طبيعة أمي أنها دائمًا تبتسم، وتعشق سرد القصص، في هذه اللحظة، كانت تحكي قصصًا ممتعة، عن البحر، عن جدتي، عن مواقف مضحكة، وأنا أبصرها، جاء في ذاتي سؤال، مفاده: هل أرادت أن تبعث في ذاتي الإيجابية من هذه القصص؟
نعم، أدركت ذلك فعلاً، حينها أصغيت بكل حواسي، أحسست برائحة، كأنها الغيمات، يولد فيها المطر، لينساب على وجنتي وشفتي.
بعدها بسنوات -لا أذكر كم كانت-، قرأت قصة في أحد الكتب، عرفت من خلالها، ما أرادت أن توصله أمي، بسردها القصص الإيجابية، وهي أن شخصًا، كان يشعر بالمرض، ويحتاج إلى عملية جراحية، كان يعاني من توهم المرض -لعل الماضي لديه جاء مؤلمًا-، ذهب إلى المشفى، أخبر الدكتور بحاجته إلى إجراء عملية، شخصه الدكتور، عرف أنه يتوهم، أعطاه ورقة، وقال له: افتحها بعد وصولك المنزل، واعمل ما كتبته لك.
خرج، وصل منزله، فتح الورقة، قرأ، أنت فعلًا تحتاج إلى عملية جراحية، ولكن اليوم أريدك أن تذهب إلى مكان ترتاح فيه، واجلس فيه وقتًا، لا يقل عن ساعة، ذهب إلى البحر، جلس ساعة، وفي اليوم التالي، رجع المشفى، أعطاه الدكتور ورقة أخرى، فتحها في منزله، قرأ، اذهب إلى نفس المكان، واجلس وقتًا، وتذكر المواقف السعيدة في حياتك، ذهب، جلس، تذكر المواقف، أشرقت ابتسامته، ومع الأيام ذهب إلى المشفى، أخبر الدكتور أنه يشعر بتحسن، ولا يحتاج إلى إجراء عملية جراحية.
حقًا، الكثير منا، يتألم، الماضي يقلقه، ظروفه تقلقه، الأخطاء التي تصدر منه بقصد أو بدون قصد تقلقه، فرصة أضاعها من بين يديه تقلقه..
هل نحن منطقيون في تفسيرها وتعاملنا معها؟
عادة -بنسبة وقدرها-، نأخذ الناحية السلبية في تفسيرها والتعامل معها، نراها شيئًا مقلقًا دائمًا، في حين -ربما-، نستطيع صياغتها بطريقة أكثر إيجابية، للتو، أنت فشلت في مشروع تجاري، داهمك الإحباط، احتواك القلق، أصبحت لا ترغب بتقشير البطاطس، وطبخها، وأكلها في كيس مملوء بالشطة -صاص-، الفعل، الذي أحببت ممارسته، أكثر الأشياء من حولك لا ترغب بالتعامل معها، نظرة سوداوية -أليس كذلك-.
إن نظرنا إلى هذا الفشل من زاوية أخرى، بأنه تجربة، يمكن الاستفادة من الأخطاء التي كانت سببًا في فشل المشروع، ودراستها، ليكون منطلقًا إلى مشروع أكثر نجاحًا.
يقول لاعب كرة السلة مايكل جوردان: إنني أخطئ دائمًا، في كل شيء، مرة بعد مرة، بعد مرة، وهذا سبب تحسن حياتي وتطورها.
إذًا، الإيجابية، مع الذات، تجعلنا نطور من كل شيء فينا، على المستوى الذاتي، في عمق ذواتنا، وعلى مستوى الواقع، ودرامية وجودنا فيه.
كيف نقرأ الأشياء من حولنا؟
هنا، يعتمد على من نكون نحن وماذا نريد أن نكون؟
سؤال إجابته في سؤال آخر.
لنقرأ الأشياء من حولنا، وفي ذواتنا، نحتاج إلى نظارة، تتمتع بالصدق، لها القدرة على التحليل، والعصف الذهني، لتكشف لنا، الثقافة الإيجابية، لنكون إيجابيين، والثقافة السلبية، لنسقط، ونكون سلبيين، إن تعرفنا على ما يرفعنا إلى الارتقاء، فلا نقول "أنا"، ولكن نقول "نحن"، أن نلمس الأشياء بأيدينا، أن نحقق أحلامنا، وأمنياتنا، أن نحول الظلمة إلى ضوء، يشرق فينا، نبثه في الآخرين.
قد تكون الآن، لديك رغبة في البكاء، صامتة شفتيك، توجعك الفكرة، وتأن اللحظة، دمعتك جامدة بين رموش عينيك، تشعر بها، ولا تبصرها، لا تنساب على وجنتيك.
لذا ينصح بالابتعاد عن الكتابات السلبية، أو مشاهدة الأفلام السلبية..، والقراءة، والمشاهدة، لكل ما يثري الاستئناس، يبعث على جمالية الروح، يستفز الشفتين، لتبتسم، لتضحك.
سأذكر حكايات أمي، وأنتم، هل ستذكرون حكايات أمهاتكم لتعانقوا الجنة في كلماتهن وابتساماتهن والأنس الذي بين أصابعهن؟



