مائدة أمي والدهشة.. 9

تقول أمي: كن واقعيًا يا ولدي، ولا تصدق شيئًا، حتى تلمسه بيديك، لا تكن واهمًا.
ما أقسى أن يعيش الإنسان الوهم، والسراب، الذي يظنه الظمآن شيئًا من الماء، فلا يرتوي منه، هكذا يأتي الوهم فيما يتعلق بالفعل الكتابي بمختلف ألوانه، يعيشه الإنسان، بأنه يمتلك الموهبة في فن من الفنون، ويقضي عمرًا فيه، إلا أنه يكتشف في نهاية الدقائق، ووسطها أن ما يشعر به مجرد الراحة والأنس في أجوائه، لكنه لا يمتلك الموهبة، بحيث لو اكتشف ذاته، لعرف ما يمتلكه من موهبة، لاستثمر دقائقها، لتثمر، ثمار موهبته يانعة.
إن المبدعين دائمًا تأخذهم التفاصيل إلى الضفة المملوءة بالعشب، وما قصة تفاحة إسحاق نيوتن إلا دليل على أن التفاصيل، الأكثر أهمية في حياة الإنسان، والتأمل فيها، ستفتح له النافذة، ليكون موغلًا في الإبداع.
إذًا، تبدأ الخطوات الأولى ناحية الإبداع، من خلال المعرفة الصحيحة، الدقيقة، لما تتمتع به في داخلك، لتبحر في ذاتك، سعيًا، لاكتشافه، أليس الطفل في سنواته الأولى، يكتشف الأشياء من حوله من خلال اللمس، والممارسة، لذا تجده يستأنس بتناول اللوز مع احمرار شفتيه، وقليلًا من وجنتيه.
هل تحب اللوز في صغرك، هل جربته؟
من خلال ثقافة السؤال، التي تأتي في مستواها الذاتي، أو ما وراء الذات، فإذا استخدم الإنسان السؤال سيعرف قيمة المفاضلة في حياته، فيما يريد، ما انتشاء ذاته، لنعرف ما نريده، وما لا نريد.
هل وقفت يومًا باتجاه المرآة، تخاطب ذاتك، تبصر إلى عينيك، تمارس معها ديمومة السؤال، السؤال الصامت؟
وما المرآة، إلا ترانيم، قد نعيشها لحظات، ترمينا اللحظات في مستنقع الآه، أو شرفة الضوء، والنجمة من بياضها شاعرية، تفصلها، كفستان طفلة، تبكي بين أصابعها، ولا تبوح.
أتبوح، أو لا تبوح؟
فقد تغرق ذاتك، وموهبتك في طريق لا جدوى منه، بكونك ممارسًا، بمجرد الرغبة في أن تكون شيئًا ما، ولكنك لا تمتلك الموهبة، لترجع بعد سنين، بخفي حنين - مكانك سر.
إن عدم الصدق مع الذات أن تكون صريحًا معها، كمجهر لن تستطيع التقدم إطلاقًا، ولن يكون بوسعك إلا الندم، الندم المر على ما قضيته من أيام جرداء.
يقول دوستوفيسكي: حاستك السادسة، وشعورك بوجوب الابتعاد، رغبتك بالصمت، وتراجعك عن الكلام..، إحساسك الغريب بأنه ليس عليك فعل هذا أو ذاك، هذه الأشياء لم توجد عبثًا، اتبعها!
في الإنسان همس داخلي، ينبغي الإصغاء إليه، أيكون حدسًا، أم حنينًا، لشيء لم تكتشفه للآن، جرب اكتشافه.
يقول الشاعر محمد الصفار في محاضرة ألقاها في موقع حساب دار أطياف على قناة التواصل الاجتماعي "الإنستغرام"، بعنوان "الشعر بين الموهبة والدراسة": إن البعض، يحب الحالة الشعرية، يشعر بأنه موهوب، يتعلم، يدرس، لكنه لا يستطيع الدخول في جو كتابة الشعر، يعتقد أن لديه الموهبة، ولكنها ليست موهبة، بقدر كونها وهمًا وسرابًا، الأمل في أن يكون شاعرًا.
يضيف: إنه يضيع وقته وذاته، لأنه يريد أن يكون شاعرًا، فقد يكتب النظم، ويخرج بأبيات سليمة عروضيًا ونحويًا، خالية من الأخطاء وجميلة، إلا أنه في النهاية يفقد الملكة الشعرية، الروح الشعرية، فلا يعرف من أين تؤكل الكتف، مستشهدًا بإيمانويل كانط المفكر الألماني، الذي قال ذات لحظة واعية عن فلسفة الجمال، مجيبًا على السؤال؛ هل الشعر وجدان أم دراسة؟ قائلًا: يمكن للمرء أن يتعلم كل ما يعرضه نيوتن، مهما كان ذلك الاكتشاف، فإنه يحتاج قدرة بالغة، ولكن لا أحد يستطيع أن يتعلم أن يكتب قصائد مملوءة بالروح.
وعليه، فإن الإنسان يرجو شيئًا، ولكن الأرضية ليست خصبة، لكنه يرجو أن تكون مثلهم، تعيش حالة الرجاء.
لا ينطبق ذلك على عالم الكتابة فقط فإنها في العلاقات الاجتماعية تبدو واضحة كذلك، فقد تأتي العلاقة في مداها سنينًا، تأخذك عبر أفقها، بعيدًا، تظن أنها من أجمل العلاقات، وفجأة، ينتهي كل شيء، كلمح البصر، قد تؤلمك المفاجأة، ولكن -مما لا شك فيه-، ستسعدك في بعض حيثياتها -إن جانبتها التأمل-.
يقول الشاعر الصفار: إن الشاعر، يستمتع، ويتألم بالقصيدة، أكثر من تألم المستمع، مهما تصل درجة تألمه.
لذا، تبقى الحالة الذاتية، وتجلياتها في نبضات الإنسان.
يسأل الصفار: هل الشاعر يستطيع أن يعلم الروح الشعرية للآخر؟
يجيب: لا يستطيع لأنه أساسًا لا تسعفه الأبجدية، ليصف هذا الشعور، لا يعرف ماهية ما يشعر به، إلا أنه يشعر به، إنه يستطيع أن يقيم القصيدة، التي تمتلك الروح الشعرية، لكنه لا يستطيع توصيفها، فإن الروح الشعرية، يصطادها الشاعر الآخر -القارئ-، والشاعر ذاته من كتب القصيدة.
ثمة أشياء أخرى، حالة الكتابة، كحالة العلاقات الاجتماعية، هناك ما يثريها، هناك ما يجعلها أجمل، هناك ما يجعلها تنتهي، لتكون ظلًا، تذروه الرياح، ذات يوم.
إن الحياة مليئة بالإحباطات، لكنها لا تتوقف عند ظل ما، واليراع، له انحناءات، فإن اكتشفت موهبتك، ستبزغ في الأفق، سترويها بطموحك، وتغذيها بالاجتهاد، فقط لنفكر إلى أن نحن ذاهبون.
قد تخالجنا حينًا دمعة حراء أنفاس ألم، نحدث أنفسها، لنقول: وما لهذا الحزن يومًا أن يمل حضوره في أعيننا وقلوبنا، سوف يمل، إن كان الأمل رفيق دربك.
هل تذكر اللوز؟
مازلنا نتذكره، خصوصًا، حين يأتي من يدي أمي، مع ابتسامتها، مع كلماتها، أمي تعشق اللوز، كما أعشقه، رفقًا يا أمي كوني بالقرب، اجعليني أتنفس ظلك، وحكاياتك، فإني أشعر بالغياب، ألا تشعرين؟!



