أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأسبوع الثالث: منطقي

مسلم آل موسى · القطيف اليومالجمعة 26 يونيو 2020، 3:22 ص
الأسبوع الثالث: منطقي

سابقًا في مقالة "الأسبوع الأول: البداية" قد ذكرت أنني حين كنت أُرتب "للاستعداد للخلوة"، ابتعت لي عددًا من الكتب التي رافقتني طيلة الـ40 يومًا، وقد كان معظمها من تجارب شخصيات دولية أمثال: (بيل كلينون، هيلاري كلينتون، أحمد الشقيري، ملالا يوسفزاي) ومؤشر قراءة بسطة حسن.
حقًا قد عرجتُ على بعضِ الكتب من المنطق، والرسائل العملية، وبعض كتب تنمية الذات، لكني لم أتعمق فيها بشدة، وهذا ما يلومني عليه البعض من الأصدقاء، حيث إنهم دائمًا ما ينهوني وبشكًل قاطع عن قراءة الكتب الغربية أمثال: (سقراط، أفلاطون، أرسطو) بل والحصر على الكتب الإسلامية والعربية بحجج كثير مثل أنهم: مغفلون، وكفار، وغيرها من الأمور، ولكني ما زلت على موقفي، لا سيما أنهم كانوا علماء محترمين لدى أعلامنا الكبار؛ كالسيد الإمام والعلامة الطباطبائي والشهيد مطهري.
قد سألت العم - وهو أحد طلبة العلوم الدينية - في إحدى وقفاتي معه: «هل لديك في مكتبتك الكتاب الفلاني لزعيم الفلاني؟»، فأجابني بعدم امتلاكه لذلك، إلا أنه شجعني على قراءته ببضعٍ جمل الهمتني، ومن ضمنها اقتباس من مقابلة لصحفيٍ هندي مع وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان وهو يستهزئ فينا حيث يقول: «إن العرب لا يقرؤون، وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا لا يطبقون»، كانت هذه الكلمات المكونة من 3 جمل، كفيلة لإشعالٍ حماسي، فقد وبعد 24 ساعة فقط، وصلني الكتاب الذي أردته؛ كيف لا ونحن أمة النبي الذي أنزلت آية اقرأ كبدايةٍ لانطلاق رسالته.
إلا أن مع خلوة الـ40 يومًا، تجدد قراري ونص على: أنني مساهم بشكلً فعلي في تطوير الحياة، فلست بحاجة إلى أي تقدير من شريحة معينة من المجتمع، بغض النظر عن رأيهم فيّ، ودون الحاجة لتغيير طريقتي ليتم الاعتراف بيّ من قبلهم، فمثلًا: سابقًا كنت أخجل من أن أقرأ كتابًا أمام البعض، لوصفهم ليّ بـ (الفيلسوف، المثقف، أبو العريف) وذلك فقط لأني أقرأ كتابًا، إلى أن أصبح لدي الجرأة وعدم الخوف من كره الناس لي إذا لم أتقبل رأيهم فيّ، فإذا كان لا بد فلن أستطيع ممارسة حياتي الخاصة، وإن دل ذلك فيدل على إجباري على التغيير من أجل التماشي مع مبادئهم، ولكن لا أحد يستطيع مضايقتي إلا بإذني، فنحن أنا وأنت وغيرنا، نتعامل مع مخلوقات عاطفية وليست منطقية.
أقول: كل إنسان منا حين يولد يتكون من مزيج نفسي ووراثي وثقافي، ويعيش ظروف ومؤثرات لا تتشابه مع أي كان، فأيًا كانت آراؤنا ومنطقنا سيكون في النهاية محصلة لخبرات شخص آخر، فمثلًا شخص "مسلم" عاش مع فلان وأحب صفةً معينة فتقلد بها، واستمر هكذا حتى جمع مئات الصفات ليُكَون شخصيته، وأعطيكم بعض الأمور التي تمثل "منطقي" منها:
أولًا: النية:
إن موضوع النية حساس ولعل الكثير من الأقربين يتعجبون من قرارتي ومنطقي لدرجة أن البعض يعتقد أنني أسير على مبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة) وأنا بالطبع ضد هذا المبدأ، لكنني أقول إنه ممكن، وهو إذا كانت الوسائل "مباحة شرعًا وقانونًا" وكانت فيها مصلحة، مثل استرداد يوسف لأخيه بالحيلة عندما وضع صواع الملك في رحله وأذن مؤذن أنهم سارقون، وإن دل على جواز التوصل إلى الأغراض بمنطق "الدهاء"، ولكن الهدف الأساسي هو النية فعلى قدر نيتي سوف أرزق فهو وعدٌ ربّاني: «إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً».
ثانيًا: الوطنية:
إنني أُشبه ذلك بتقليد المراجع في الأمور الدينية، فأنا أقول إنه يجب عليّ أن أتخذ أحد من وجهاء البلد مرجعًا لي في وطنيتي؛ وذلك عن طريق خلق شعور أنني مدين للوطن، ولكن لماذا؟ لأنه متى ما اجتمع الفقر والجهل والمرض، كفر المجتمع بالشعور بالوطنية والانتماء له؛ وذلك لقصر الرؤية لذلك؛ بسبب قلة العلم والتشبث برأي وتجارب شخصية ومحدودة، دون الرجوع وفهم وجهات نظر الطرف الآخر، فالمريض يرى أن الوطن مقصر معه لعدم وجود دواء أو وقاية له، والفقير يرى أن الوطن سلبه وظيفته، وغيره من الأمثلة، التي إذا تبلورت ونشأت، صنعت لنا التعصب والتطرف والجرائم، ولا تقتصر على الأمور الكبيرة، فالبعض يتلف الأماكن العامة، وآخر يخربش على طاولة المدرسة، وغيره يسيء استعمال الوسائل الحكومية، وكل ذلك بحجة (حلال الوطن).
فالوطن معناه أنا وأنت وابني وحفيدي في المستقبل، فلن يعيش على هذه الأرض سوانا نحن الآن وأبناؤنا وأحفادنا، فإذا قمت بعمل فكر في نتائج ذلك على حفيدك السابع، وهذا حال الأوطان والمجتمعات المرموقة، التي تلاقي النقد من هنا وهناك، وأكرر إن كثر النقد دل ذلك على أننا موجودون ومؤثرون، كان ذلك على مستوى المملكة بشكلً عام، أو على مستوى القطيف بشكل خاص، فنحن أمام مسؤولية وتكليف وهي الحفاظ على أسرار مجتمعنا مع إيجاد حلول له، وإلا ندع الإعلام يفقدنا وطنيتنا ويجعلنا نظن كأننا الوحيدون الذين نصاب بحالات كهذه.
ثالثًا: العادات والتقاليد:
إنني قلبًا وقالبًا مع العادات والتقاليد، فهي جزء لا يتجزّأ من الحياة، ما زلنا نتعامل معها أو نستذكرها، ولكنها تتعلق أحيانًا بعمق التاريخ العريق للوطن بأكمله، ففي كل منطقة تتجلى العادات والتقاليد المحلية التي يصعب التخلي عنها؛ وذلك لتوارثها جيلً بعد جيل، فأنا أرى الالتزام بها والتمسك بها يحافظ على طابعنا الاجتماعي الذي ورثناها من أسلافنا، نعم أنا مع الحفاظ على الإرث، وحقًا إن التغيير مطلوب وضروي ليتماشى مع حاجات ومتطلبات الحياة، إلا أنني أقول إن مجتمعنا لا يجب أن يكون هو المبادر بحجج مثل: (الانفتاح، والحرية الشخصية، والديمقراطية) صحيح أن هذه الأمور بالإمكان أخذها بالاعتبار، إلا إذا لم تعارض الأمور الدينية، فإذا ضاع إرث وبصمة مجتمعنا، وصار لدينا غزو فكري، وبأن ذلك يعد تخلفًا، إذًا فلنعلم أن من غزانا قوي ونحن مجتمع ضعيف، فكما قيل: «الضعيف يقلد القوي».
رابعًا: المجتمعية:
أعرف الكثير من الإخوان، من المتدينين، والجدد في ساحة العمل التطوعي - وكنت أنا من ضمنهم سابقًا - فورًا ما يدخلون الساحة يصبحون دعاة، ويكون فرضًا والإلزام على جميع المجتمع، السير على رأيهم ونهجهم الشخصي، وإن البقية جميعهم على خطأ؛ ولكن هذا التصور خاطئ للأسف، فأنا إن كنت أريد العيش والانتماء إلى هذا المجتمع، عليّ أن اتقبل المجتمع على عيوبه والخلل الموجود فيه، للتعايش معه، ولكن ليس بمعنى عدم محاولة الإصلاح، ولكن تحت مظلة تقبل المجتمع على عيوبهم.
ختامًا أصبحت من مبادئي و"منطقي" أن يكون لي رأي مستقل مبني على آرائي، وقد تصل لدرجة العناد والإصرار على رأيي الشخصي، مع أنني لا أسميه عنادًا؛ لأن العناد يكون بإسقاط الرأي الآخر، وعدم إلزام البقية برأيي، وذلك لا يعني عدم وجوب استشارة أهل الخبرة فما خاب من استشار.