تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. 36

حنين لأيام خلت والذاكرة عطر محبة وأريج سلوى، يبرق في المقلة دمع ينساب على الخد باسترجاع لحظات وجد، وما حيلة المشتاق إلا تذكر أيام الصبا، جرة آهات لآخر أيام المسرات قبل هبوب سنين العجاف.
عبق والغبطة فرح، وإطلالة المعارف الأولى دهشة الحضور، فيض صور معلقة على الجدران العتيقة، وحكايات عبرت الدروب، أكف تجر الحقائب بين فيافي النخل والأزقة الظليلة، شمس الضحى ولعب المخطة والصبة والكتاب المدرسي في اليد، تؤرقنا الأنباء طرقاً على المسامع ونتخيل ماهية الأحداث الجارية.
جرى الزمن سريعاً وأخذنا في غياهب الوحدة والانشغال، همسات في آذان الأصحاب الذين شاخت بهم الأيام، وما فتئت الروح تحن لذكراهم وترسل لهم سلاماً إثر سلام، ولهم تحية ود وهدية سرد لمشاهد من حكايا الأمس.
إيقاع الطفولة الهادئ وبساطة العيش مرتعاً خصباً لتلقي أية أخبار واردة، نسمع خبراً من راديو أو ممن لديهم تليفزيون في دارهم والكهرباء ليست في كل بيت، كما هو حال منزلنا التي تزينه الفوانيس مع "تريك" واحد، الزمن يتركني تائهاً عند نهاية الستينات الميلادية وتحديداً في الصف الثاني ابتدائي عام 1969م.
طلاب الفصل يتبادلون صوراً لمعارك حربية بالأبيض والأسود، نتحصل عليها شراءً من الباعة المصطفين عند باب مدرسة "الغالي" المحاطة بالنخيل، صور مغلفة مع علكة عطرة، نفتحها وتثير فينا الفضول، ونتساءل من هؤلاء المقاتلين الذين وجوههم غريبة؟ أحد الطلاب أبلغنا بمعلومة تلقاها من أخيه الأكبر بأن هذه حرب مشتعلة بين أمريكا وفيتنام.
لغط البراءة يتفاعل ماذا يعني الاسمان؟ لأول مرة يطرق السمع بكلمة أمريكا! "وين هذه أمريكا"؟
وكلما لهج الصغار بهذا الاسم أكملوا مباشرة بفيتنام، وسؤال أتى من آخر الصف "إلى ويش يتحاربوا؟"، علق أحدنا بأنهما جارتان تتعاركان، مثل ما نرى على السطوح وعند الأبواب "جارة تتهاوش مع جارتها" بسبب عراك أولادهن، نزق طفولي يتفاعل تنفيساً كلما خرج الأستاذ من الفصل، نضرب بأيدينا على الطاولات في حالة اشتباك أحدنا مع الآخر، ونردد تشجيعاً للعراك (أمريكا، فيتنام، أمريكا، فيتنام) يا هل ترى من تكون هذه فيتنام؟ ولمن تكون الغلبة خارج وعينا الساذج.
بلبلة الفهم زاده الطين بلة من قبل أستاذنا الفلسطيني "محمد البدو" إذا غضب على أحد منا، "أمشي انگلع - فوتنام"، تتداعى المعاني مع تقارب جرسها اللفظي، ونصاب بالحيرة.
على مدى سنتين أو أكثر كل منا ينافس الآخر بعدد مجموع الصور "لعكوس"، ولم تكن الصور الحربية فقط التي بين أيدينا، إنما صور الممثلين والمطربين، من كلا الجنسين، نتفاخر بالأسماء والعدد والأشكال ورقة الوجوه واستعراض الملابس، لكن الزي "الكاكي" وهو لباس الجنود أثار حفيظتنا، ولماذا هذا اللباس دون الألبسة الأخرى؟ أسئلة تتوالى مع خسارات الصور أو زيادتها ارتهان بتقليد الأفلام، ننساق بلعبة القرشين (الدق- القمار) مع زملاء المدرسة أو رفاق الحارة، عملة نبرمها بالإبهام والسبابة علواً ثم نلقفها وهي لم تزل في الهواء ونخبئها بين باطن اليدين، ونقول "أحمر لو أسود؟"، تربح صورة إذا حالفك الحظ، وتخسر إذا لم يجانبك التخمين صواباً.
ذات صباح وبينما نقلب صور الحرب، أخذ يعلق عليها كثيراً صديقنا المقرب محمد الصغير بقوله: "هذولا مسلحين من فيتنام ياقاتلوا لمريكان، يدافعوا عن بلادهم"، وهنا زاد فهمنا واختلف عن ذي قبل، مع كل صورة نتبادلها تفحصاً يسرد حولها حكاية وأسماء غريبة على أفهامنا، وصف تفاعلي كأنه أستاذ يخطب فينا، وبينما نحن مبهورين بتعليقاته المسترسلة، قاطعه أحدنا: "وأنت ويش دراك يا ولد لصغير"، ورد عليه: "إخواني أبومدين ومهدي، يعلموني كل يوم وحنا انبحلق في التلفزيون كلما جت الأخبار"، صوت منفعل "ما عليك منه كمل كمل"، وانطلق الصغير في شروحاته الحربية كلما تجمعنا، وأخذ يدلي بكل حماس بالمستجد حسب مرئياته التليفزيونية اليومية ومستجمعاً كل ما يسمعه من تعليقات إخوانه الكبار.
عشنا معه أجواءً معرفية تتوالى بمعلومات حربية، كأننا في حلقة درس مفتوحة في الهواء الطلق، ومعها أطلقنا العنان لخيالنا الجامح شرقاً وغرباً، تائهين في تصور المعارك الحربية لكننا لسنا كأطفال الحروب الذين كبروا على أزيز الرصاص ودوي القنابل، من يرحم الطفولة المعذبة ويبعدها عن مآسي الحروب.
أطفال تعيش الرغد والعيش الهنيء، وأطفال يتهددهم الجوع والخوف والمرض ويتربص بهم الموت.
إيه أيتها الأقدار، ارحمي الصغار وكل من فقدوا ظلال الأوطان.



