عبادة البشر

من الأمراض الخطيرة والمزمنة التي عانت منها الأمم والأقوام السابقة عبادة البشر للبشر وتقديس الأشخاص.
وهذا المرض لا ينمو ولا يترعرع إلا في المجتمعات التي تعيش الفقر الديني والعلمي والثقافي، ومثل هذه المجتمعات هي التي تخلق أمثال نمرود وفرعون من المتكبرين والمتجبرين، والمشكلة ليست في المتكبر بل في المستضعف، المشكلة ليست في الفاعل بل في القابل.
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرًا"، فقد خاطب العبد ولَم يخاطب المستعبد، خاطب الضعيف ولَم يخاطب القوي، فالضعيف هو الذي يخلق القوي والخانع هو الذي يخلق المتجبر وليس العكس.
وللأسف الشديد فقد سرى هذا المرض الخطير والمعدي إلى مجتمعات اليوم، فبجهلنا وحماقاتنا خلقنا أصنامًا بشرية استعبدتنا واستضعفتنا، وجعلناهم فوق البشر فلا نقبل فيهم نقدًا ولا قدحًا.
مجتمعي الحبيب..
أما آن الأوان لنا أن ننهض ونستفيق من سباتنا وغفلتنا، أما آن لنا أن ننبذ الأفكار الصنمية البائدة ونحطم العادات السيئة، فالأنبياء والرسل ما استطاعوا أن يبنوا مجتمعاتهم المؤمنة، والصادقة والنزيهة إلا بعد التخلص من عبادة الذوات وتعظيم الهويات الفارغة والشخصيات الشكلية.
إخوتي أخواتي..
مجتمعنا اليوم يواجه مرضًا خطيرًا ومعديًا فلابد من الوقوف أمامه، لكي لا يسري لأولادنا وأجيالنا القادمة، علينا أن نخلق ونصنع من أولادنا شخصيات فكرية مستقلة، لا تحكمها وتسيطر عليها المظاهر الكاذبة والعناوين البراقة.
كفانا تأثرًا بالمتلبسين بلباس الصلاح والتقوى والعمل الصالح.
كفانا عبودية للمتزلفين والمتزحلقين والمتسلقين، فتكسير وتحطيم التماثيل البشرية أهم مليار مرة من تكسير وتحطيم التماثيل الوثنية.
فيا أيتها الأجيال القادمة.. أرجوكم اقرأوا وفكروا وناقشوا ولا تنزهوا أحدًا "أيّا كان" من الحوار والسؤال والأشكال والاعتراض.
ولا تأخذوا المعلومة مأخذ المسلمات بل اجعلوها في دائرة التشكيك والاتهام.
وتسلحوا بالأسلحة الفتاكة "أين؟ متى؟ هل؟ لماذا؟ كيف؟" وكل أدوات الاستفهام والاستعلام أمام كل معلومة تطرق سمعكم وتداهم فكركم.
فهذه الكلمات هي الأبجديات الأولى التي تضعكم على أول الطريق الصحيح وفهم وفقه الحياة والدين والخلاص الأبدي من الصنمية وعبادة البشر.
والوقت لم ينفد بعد فالرجاء من آبائي وأمهاتي وإخوتي وأخواتي وأولادي وكل فئات مجتمعي المحاولة والمثابرة، فإننا إن لم نتدارك الأمر فسوف يأتينا من يشككنا حتى في أبسط عقائدنا ومعتقداتنا.
وأخوف ما أخاف على أجيالنا القادمة أن يأتي يوم يستنبطون فيه أحكامهم الفقهية والعبادية والسلوكية من كتب تفاسير الأحلام وروايات وقصص ابن المقفع كليلة ودمنة.
فالحذر الحذر لكي لا تصلوا إلى ما وصلت إليه مجتمعاتنا الحاضرة من التأثر والتأخر والتخلف والانحدار.
"اللهم صل على محمد وآل محمد واجعل النور في بصري، والبصيرة في ديني، واليقين في قلبي والإخلاص في عملي".



