ذكاء المسافات!

بحسب الدراسات، فإن أكبر مسبب للحوادث المرورية بعد السرعة والانشغال هو عدم ترك مسافة كافية بيننا وبين السيارة التي أمامنا! فالاقتراب الشديد يفقد السائق القدرة على السيطرة ولا يعطيه فرصة للتصرف في أي موقف طارئ.
وفي الأماكن العامة ينصح دائمًا بترك مسافة بيننا وبين الآخرين فربما أصابونا بعدوى أو مرض أو ضايقونا بروائحهم!
وفي عالم الطبيعة فإن الاقتراب الشديد يؤذي ويحول بيننا وبين تلمس الجمال! فرؤيتك للبحر عن بعد أجمل بكثير من غوصك فيه، ولو سافرت إلى القمر الذي تغنى به الشعراء وهام به الكتاب فلن ترى إلا حجارة ومساحات خالية!
كذلك الاقتراب الشديد من البشر كما أكد علماء الاتصال يولد توترات ومللًا، فلا تحتك بشكل دائم مع البشر، فهو أدعى لحفظ الود وزرع المهابة، لا تضرب حصارًا عاطفيًا على من تحب حتى لا تخسره بكثرة الاتصالات والرسائل ولا تلغ المسافة باسم الحب!
جميل أن ترسم حدودك بوضوح وصراحة للآخرين بين لهم ما يعجبك وما لا يعجبك، حدد مواعيد الاتصال وحدد الأمور التي لا تود الحديث عنها، ارسم حدودًا تبين بها محبوباتك ومكروهاتك!
تأمل في طبيعة زوم الكاميرا فالاقتراب الشديد لا يظهر جمال الصورة بل ربما لا يبين ملامحها وفوق هذا يوضح نقاط الضعف ومواطن القبح، كما أن الابتعاد أيضًا يضيع الملامح تمامًا ويلغي مواطن الجمال فيها!
بالتالي دخولك مع البشر دون ترك مسافات يشتتك ويربك حياتك ويولد التوتر في الغالب بينكم! وفي المقابل احترم حدود الآخرين ومسافاتهم، فلا تقترب ما لم يسمحوا ولا تجعل من نفسك استثناء دون غيرك من البشر عن طريق الترجي أو الاستعطاف.
تقول أحلام مستغانمي: "الحبُ هو ذكاء المسافة ألا تقترب كثيرًا فتلغي اللهفة ولا تبتعد طويلًا فتنسى، وأن لا تضع حطبك دفعة واحدة في موقد من تحب، وأن تبقيه مشتعلًا بتحريك الحطب ليس أكثر دون أن يلمح الطرف الآخر يدك المحركة لمشاعره ومسار قدره.
فلا حب يتغذى من الحرمان وحده بل بتناوب الوصل والبعاد، كما في التنفس إنها حركة شهيق وزفير يحتاج إليهما الحب لتفرغ وتمتلئ مجدداً رئتاه.
وأذكى البشر هو من يتقن فن إدارة المسافات يعرف من يقترب منه ومن يبتعد كما أكد عالم الاتصال الإنساني إدوارد هول ذلك بأن إدراك المسافة والمحافظة عليها مسألة غاية في الأهمية لإبقاء الود والاحترام المتبادل في العلاقات ما بين الأشخاص.
من أسباب فشل العلاقات في الغالب:
إلغاء المسافات!
اعتقادًا منا أن هذا أفضل لتطوير العلاقات وتحسينها إلا أن العكس هو الصحيح، فالمساحة الشخصية التي تحيط بالفرد يعتبرها ملكًا له، وغالبًا ما يصيب البعض حالة من الذعر حالما يتخطى آخرون تلك المساحة، فالبشر رائعون وجميلون ما لم نقترب منهم!
والإشكالية ليست فيهم بل فينا بكوننا اقتربنا أكثر وتجاوزنا تلك الخطوط المرسومة لنا من قبلهم، وكوننا لم نفهم أن البشر طبعوا على النقص وعدم الكمال ونحن من يتحمل وزر تلك المشاعر السلبية التي تكونت بعد الاقتراب الشديد منهم وسمحنا لأنفسنا بالوصول إلى ما يجب الوصول إليه وكشف ما كان يجب أن يستر! إن التفتيش في الصناديق المغلقة ليس بالأمر الجيد لأنه ربما يوصلنا إلى اكتشاف ما لا تسرنا رؤيته.
بالتالي إدارة المسافات حكمة ونعمة عظيمة لمن تمكن منها ومن حرمها فقد خسر الكثير..
تذكر دائمًا؛ لكي يبقى الجميل جميلًا لا تقترب منه كثيرًا فالبعض أجمل من بعيد!



