لا حقيقة ثابتة في الصحف إلا صفحة الوفيات

في عام ٢٠١٦ نشر أحد الكتّاب مقالًا، وكان يتحدث فيه عن الألم النفسي وفقر الدم المنجلي. وللأسف الشديد قرأته البارحة فقط وهذا يعني بعد أربع سنوات.
بالبداية أحب أن أشكر الكاتب على معلوماته الطبية النادرة التي أفادنا بها وزاد بها ثقافتنا بمرض يعاشرنا منذ نعومة اظافرنا.
حيث ذكر الكاتب أنه في عام ٢٠١٦م كانت نسبة حاملي المرض في المملكة العربية السعودية تقدر بـ٢٠%، ولكن في تلك السنة أي عام ٢٠١٦ كانت نسبة المرض بالمملكة تتجاوز الـ٣٣٪، وكانت النسبة بالقطيف وحدها ١٢٪.
في هذه السنة عام ٢٠٢٠م وبكل أسف وصلت نسبة المصابين بالمرض إلى ١٧٪، وكنت أتمنى من الكاتب التفريق بين حاملي المرض والمصاب بالمرض فهذا خلط فادح وقد ينتج عنه تفاقمات لا يعلم بها إلا الخالق.
فالنسب المذكورة والتي أكرر أن الكاتب غلط بها تخص المصابين ولا تشمل حاملي المرض أو من لا علم له بوجود المرض لديه!
في أول ثلاثة أسطر أثبت لنا الكاتب تعمقه وثقافته وانغماسه بمعلومات عن مرض ومرضى فقر الدم المنجلي (الخاطئة)!
وكيف لي أن آخذ بكلام شخصية لا تفرق بين المصاب والحامل ولا تختار مسمياتها الصحيحة في صحيفة محلية لمنطقة تجاوز عدد سكانها مليونين وخمسمائة ألف نسمة حسب إحصائيات عام ٢٠١٩م.
وللأسف فقد صور الأستاذ الكاتب نفسية المريض بصاحب النفسية المتأثرة وقال: "تتأثر الحالة النفسية والحياة الاجتماعية لدى المصاب بشكل سلبي فيقل اهتمامه وتواصله مع الآخرين لتعرضه للتوتر والضغط النفسي".
بداية الموضوع أيها الكاتب الموقر في علم النفس لا يدخل القلق من ضمن الأمور المؤثرة نفسياً ولا يعد حتى مرضًا نفسيًا، فهو شعور قد يصاب به الإنسان الطبيعي بشكل يومي ففي علم النفس يقال إن أي مشاعر يصاب بها الإنسان تستمر لمدة لا تتجاوز السبع دقائق فقط وتنتهي وهذا لا يدخل ضمن التأثيرات النفسية إلا إذا صاحب القلق بعض المضاعفات كالأرق مثلاً أو الخوف المزمن دون سبب أو الوسواس القهري.
ومن جهة أخرى، أقول للكاتب وكلي ثقة وبصفتي مريضًا مصابًا بالـ(السكلسل) فنحن لا نعاني أبداً من قلة الاهتمام بالتواصل مع المجتمع بل بالعكس تماماً، فنحن نحمل شعبية لا يحملها غيرنا ولا تستغرب أن يقف لنا من هو أكبر سناً منا عند دخولنا لمكان ما وللمعلومية هذا واقع وليس من نسج الخيال، ونحن ننتج ما لا ينتجه السليم من الأمراض أبعد الله عن الجميع وعنك جميع السقم ونصنع ونعمل وننجز رغم كل ما يعتلينا من أمراض وهنا كتبت (أمراض) ليس لخطأ في اختيار المسميات كما فعلت!
يا عزيزي الكاتب: فالمصاب بالسكلسل تتشكل لديه عدة مضاعفات على شكل أمراض ومثالاً على ذلك (تشكل حصوات بالمرارة والبنكرياس والمثانة، وانتفاخ بالطحال والذي يسمى مقبرة الجسم والحل الوحيد لعلاج هذا الانتفاخ هو الإزالة الكلية له، ونقص نسبة الهيموجلوبين بالدم، وتآكل العظام في أي جزء من أجزاء الجسم دون أي استثناء حتى بالعمود الفقري، ونقص خميرة الجي سكس بي دي، واصفرار الجسم والعينين، توقف الكلى عن عملها الطبيعي، والتهاب رئوي، وغيره وغيره). الشيء الوحيد الذي لا نصاب به نهائياً هو الملاريا.
وعودة لموضوع الإنتاج العملي فأنا مثلاً ودون مساعدة أي شخص سوى أخي (المصاب) بمرض السكلسل قد تمكنا أن نمتلك شركة كاملة بموظفيها ومشاريعها وتعدد مهامها مع العلم أن أخي توفى قبل أربعين يومًا بسبب هذا المرض الذي تحدثت عنه بدون أي دراية، بالبداية كنا وحدنا فقط من أسس هذا العمل الخاص (المصابون بالمرض)، ولكن سأكون من الظالمين إن لم أشكر عائلتي وخاصة والدي الداعم الأكبر وإخواني أصحاب المجهود الأكثر (السليمين).
ولا علم لي لماذا صور الكاتب مرضى السكلسل بالمخفقين دراسياً!
فلتعلم أن أكثر من ٨٥٪ من مرضى فقر الدم المنجلي في منطقة القطيف هم من الأوائل دراسياً وحاملو شهادات التقدير والتفوق ولا أريد الخوض أكثر بموضوع الدراسة فما كتبته قد طال.
ننتقل لموضوع الاكتئاب: فجميل ما ذكرت يا عزيزي بأن مريض السكلسل يصاب به كمثل غيره من المرضى لكن انفصام بالشخصية؟ ومرض عقلي؟
فهذا جديد كلياً علي أنا شخصياً وعلى جميع المرضى وقد أجريت اتصالاتي لمجمل المصابين الذين (أمون عليهم)، والطريف بالأمر أن هناك فرداً منهم قد راوده الشك وأخذ يسألني بلا مزاح (هل تنصحني باستشارة الأطباء النفسيين أو الذهاب لمستشفى الأمل)؟
لا علم لي يا أستاذ من أين لك هذا وأتمنى ألا تقول لي "هذا من عند ربي"، فلا فصام نعاني منه ولا مرض عقلي ولا علم لي عن سبب تطرقك لهذه الأمراض التي أضفتها أنت شخصيا بهذا المقال مع مسمى الإدمان الذي نعاني منه من غيرك في المجتمع فقد سكبت الماء المالح على جروحنا بدون أدنى رحمة كما غيرك.
هل الغاية من هذا التطرق هو زيادة عدد سطور مقالك المملوء بالمعلومات الخاطئة طبياً ونفسياً؟ أم تأثرت بمن همهم الأكبر نشر ما نشرت في مقالك؟!
ولكني أميل بنسبه ٩٩.٩٩٪ إلى السبب الثاني، وهذا ما أثبته لي تطرقك للمسكنات وطرق استخدامها، فلا علم لي ولست متأكدًا ما هو تخصصك المبجل وما هي شهادتك العليا يا أستاذ!
ولا علم لي ولست متأكدًا بمدى ثقافتك وتثقفك، لكني أعلم ومتأكد أنه قد تم زراعة موضوع استخدام المسكنات واستصناع الألم في دماغك وفكرك من جهات همها الوحيد هو فعل ما تم فعله بك بكل رضا تام منك وتحولت أنت بتفكيرك وقناعتك مثل لعبة الصلصال بيدهم يشكلوها كيفما يشاءون، وهنا اسمح لي أن أبدى لك هذه النصيحة وأنت من أهل النصيحة: لا تدع أحدًا يزرع فيك ما يثمره هو فليس كل ثمر نافع.
في إحدى الحالات المرضية الواقعية كان هناك أب يضرب ابنته بكل مرة تصرخ مما يعتليها من ألم السكلسل لأنه كان مقتنع اقتناعاً تاماً من قبل الطبيبة المعالجة لابنته أن الابنة مدمنة على المسكنات! هل تستطيع أن تتخيل مدى هذه الفاجعة يا عزيزي؟
هل لك (واعذرني على ما سأكتب فقد عذرناك على ما كتبت)، هل لك أن تضرب ابنتك في كل مرة تصرخ من الألم؟ فقط لأن الطبيبة استطاعت أن تقنعك أن ابنتك (أبعد الله الشر عنها وحفظها لك سالمة) مدمنة؟ إن قلت لا فاسمح لي أن أطلب العذر منك فقد سمحت لمن مثلها أن يقنعك بنفس الفكرة تماماً ولكن عن أشخاص آخرين لا صلة لك بهم.
اسمح لي يا أستاذ أن أسألك: هل رأيت بنفسك ذلك المريض وهو يتلوى على السرير الأبيض دون الالتفات له فقد لأن أصحاب الملابس البيضاء يعتقدون أنه يتصنع؟
هل سمعت صراخ من يترجى وحيداً بكل انكسار طبيباً واقفاً أمامه بكل تعالٍ فقط ليسمح له بأخذ تلك الحقنة؛ الحقنة اللعينة من المسكن؟
هل سمعت من يصرخ يا الله أو يا ربي ومن يتمنى الموت ليرتاح جسده الفاني مما يعتصره من ألم؟ هل تمنيت الموت يوماً يا أستاذ بسبب ألم؟
هل تعلم وأنا أعلم أنك لا تعلم أنه منذ أربعينيات القرن الماضي توصل أطباء جامعة كورنيل إلى طريقة لقياس شدة الألم الجسدي بواسطة وحدات تعرف باسم ديل وتم الاعتقاد بأن أعلى درجات الألم سجلت عند المخاض أثناء الولادة وتقدر شدة الألم بنحو 45 ديلًا ولكن الإحساس الفعلي يكون 57 ديلًا وهو ما يساوي الألم الناتج عن كسر 20 عظمة في الإنسان بوقت واحد! ولكن بعد ظهور مرض فقر الدم المنجلي من منبعه في إفريقيا تغير الرأي الطبي إلى أن أعلى درجات الألم هو ألم مرض فقر الدم المنجلي الذي يتجاوز حتى آلام مرض السرطان والذي يساوي كسر خمسين عظمة بجسم الإنسان بوقت واحد مما يعني مضاعفة آلام الولادة وبهذا يكون قياس شدة الألم أكثر من 120 ديلًا في السكلسل ولكن الإحساس الفعلي هو 142 بالضبط.
هل لي يا أستاذي أن أكسر يدك فقط لتستصنع الألم أو لعلك تستخدم تقنيات أخرى لتخفيف آلام كسر يدك كالاسترخاء والتنفس العميق كما ذكرت بمقالك؟ وأقولها لك كما يقولها أخواننا المصريون (فكرة مش بطالة)!
هل تعلم يا عزيزي وهنا أيضاً أعلم أنك لا تعلم أنه في عام ٢٠١٣ أي قبل مقالك بثلاث سنوات توفى أكثر من ١٧٦٠٠٠ (مائة وسته وسبعون ألف مريض عالمياً بسبب السكلسل) بمعدل ٤٨٨ مريضًا يومياً تتجاوز نسبة الشباب بينهم الـ75%.
أيها الكاتب يا من أثرت ما أثرت بي أشكرك جزيل الشكر وأنحني لك احترامًا على ما خطت يداك ولكن للأسف ليس كل ما خطته فقد تطرقت بما هو جميل وراق ويحمل وعيًا وبالذات ما يخص العمل والمدرسة، ولكنك أفسدت كل هذا باستماعك لمن استمعت لهم أتمنى بكامل قواي أن أعلم من أين لك هذا؟ في قصيدة شعرية كتبها مهدي جناح الكاظمي عنوانها (للحزن نار في الحشى تلذع) قال فيها بيتاً جميلاً بغاية الإبداع فقد قال (فقل لمن فؤاده مجذب ورأيه كروحه بلقع.... كلن لديه في الورى مرجع إليه في أموره يرجع)... يا ترى من كان مرجعك بما كتبت ولتعلم أني أعلم ما جوابك على سؤالي مسبقاً! فمرجعك هو مجرد طبيب جلست معه أو حاورته صوتياً لمدة لا تزيد على ساعة، تحدث معك لك عن مرض عمره أكثر من ثمانين سنة ذي مضاعفات عدة وأعراض لا تحصى وتفاقمات لا تعد ووفيات مهولة، ونتيجة ما سمعت كتبت أنت ما كتبت.
هل تعلم يا عزيزي أنك أوصلت معلومات خاطئة لمجتمع قد يقتنع بما كتبت لثقته بك وينتج عن ذلك معاملة جافية قاسية تجاه المرضى الذين هم بالأساس مهمشون؟ هل تعلم بوصفك لنا ما صنعت لنا؟
هل تعلم أننا قد نصبح بنظر المجتمع مرضى نفسيين مصابين بفصام شخصية وأمراض عقلية بسبب ما كتبت فالكلمة أقوى من السيف ولا تستهين بما تكتب يا هذا.
أحمد عبدالرؤوف آل يتيم مصاب (بفقر الدم المنجلي، وتآكل بعظام الحوض من الجهتين، وتأكل عظام الكتف الأيسر، وتكدس حصوات بالمرارة، ونقص خميرة الجي سكس بي دي، وانتفاخ 2 سم بالطحال، وانحناء صابونة ركبة الرجل اليمنى عن موضعها الصحيح، مع الإصابة بالالتهاب الرئوي لثلاث مرات).



