تنبؤات درامية أم سينما متواطئة (43)

إن صناع فيلم (العودة للوطن - 1978) Coming home برعوا في تجسيد معاناة الجنود العائدين من الحرب المثخنين بالجراح والأوجاع والفواجع، يضمهم مستشفى المحاربين القدامى، الغاص بالمشوهين نفسياً، والمشلولين جسدياً، والفاقدين لبعض الأطراف الأيدي والأرجل، تقاسيم وجوه متعبة وتعابير مرسلة تلعن الحرب وساعات القتال.
دراما تضامنية عن بشر كانوا أصحاء ثم أصبحوا مقعدين خارج الخدمة، يئنون بين الجدران المغلقة، فالوحدة بعيداً عن دفء العائلة قاتلة، وتسليتهم بين حين وآخر بألعاب ومسابقات لن تعوضهم المٱل الذي وصلوا إليه.
أن يدخل المقاتل حرباً فلن يكون في مأمن من الموت، أو العيش نصف حي، وإذا نجا فالقدر كتب له عمراً آخر.
الحرب ليست نزهة فآثارها المأساوية تمتد لعقود وأجيال، وبغض النظر عمن انتصر وانهزم، دائماً حرائق الحروب وقودها الجند والأبرياء، هم الضائعون بعد أن يتصافح زعماء الحرب بالقبلات والأحضان وكأن شيئاً لم يكن! من يعوض الأرواح التي انسلت من الحياة؟
إن تسليط الفيلم الضوء على العائدين من أهوال حرب فيتنام وإبراز ما لاقوه من ويلات ومآسٍ أمر يستحق التأمل، وهي رسالة لمن زجهم في حرب أتت أكلها بخسران مبين وفرقت شمل العوائل وقضت مضاجع المسؤولين.
كل هذا الأمر مستحسن ولكن الرؤية العامة للفيلم هي انحياز تجاه الجندي الأمريكي الموقر الذي لم يظفر بالحرب، يا ترى لو كسبها هل ستتغير رؤية المخرج أم سيظل وفياً لبني جلدته بإظهار آلامهم دون الإشارة لفواجع الفيتناميين؟
هو تصوير انحيازي من مخرج لم يلتفت لعذابات الآخرين الذين اكتووا بنار من؟ بنار الذين رقى قلبه لهم ويتباكى من أجل معاناتهم، هل لوحدهم من يتألمون لجراحات ما بعد الحرب، وأين العاطفة الجياشة تجاه المعتدى عليهم أليسوا بشراً!
وكأن فيلم "العودة للوطن" يقول فلتذهب معاناة من حاربناهم للجحيم، فهم في نظر مدعي الحرية مجرد أعداء!
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عنصرية بحتة وحقد دفين، وخذلان في البعد الإنساني الذي يدعيه الفيلم.
وليس ببعيد عن هذه النظرة الدونية من عقلية المستشار الحربي والمؤرخ العسكري "د. لويس سورلي" Lewis Sorley الذي تواجد في حرب فيتنام لوضع الخطط العسكرية، وبعد مرور خمسة عقود قدم محاضرة عام 2014 في "مركز التعليم والتراث التابع للجيش الأمريكي" متحدثاً عن خسارة حرب فيتنام، عبر عنوان "ويستمرلاند الجنرال الذي فقد فيتنام"، فقد أطنب المستشار عن قصة سير المعارك كشاهد عيان، مستفيضاً في الحديث عن يوميات الحرب ومتغيرات القتال، وقدم قضايا تاريخية منتقداً الجنرال "ويستمرلاند"، رئيس أركان الجيش وأحد قواد الحرب، واصفاً إياه بأنه رجل معقد ويصعب فهمه.
محاضرة تبرز خبايا الحرب وتعداد أسماء الجنرالات التائهين في غبار المعارك، تمجيد مرتجع لجنود بيادق الحرب الخائضين في لعبة شطرنج متصدعة، ويتضح من عبارات المحاضر الحط من مكانة "الفوتكونج" وهي جبهة التحرير الوطني الفيتنامي، ابتعد عن ذكرهم أو التلفظ باسمهم، بل وصفهم بالأعداء، ونبرته متثاقلة في ذكر الجنود الفيتناميين الشماليين، وطوال المحاضرة كلمة تتكرر العدو والعدو، بين جمل متعددة وكثيرة من ضمنها: (كان الاعتقاد أنه باستطاعتنا قتل ما يكفي من العدو، قلل و"يستمرولاند" من قدرة العدو على البقاء، استمر العدو في ارسال المزيد والمزيد من الجنود لتعويض خسائره، كان العدو قادراً على تجهيز قواته بتطور متزايد، عندما بدأ هجوم العدو، بيانات قوات العدو تم التلاعب بها، التقدم في الحد من قوة العدو، بعد ذلك كنا مخطئين لم نفهم أبداً مثابرة العدو واستعدادهم لتحمل هذه الخسائر المروعة)!!
يخال المرء من خلال محاضرته التي استغرق في إلقائها ساعة ونصف، أن المعركة لم تزل حية يدير خططها مع عديد الجنرالات الخائبة.
يا أيها المستشار الفطن إن من أسميتهم بالعدو طوال محاضرتك، أذاقوا قواتك المر، ولك أن تطلق عليهم ما تشاء، المحصلة بأن من وصفتهم بالعدو صدوا عدوانك واحتلالك الغاشم، ولم يرضخوا لإرادتك، ولم يتنازلوا عن شبر واحد من أراضيهم، جاهدوا في سبيل توحيد وطنهم.
حاربوا ببسالة وقاوموا ترسانتك الجبارة، أي منطق يقال وأنت من أتيت إلى أرضهم وحاربتهم في عقر دارهم؟ كل هذا الصلف وغرور القوة لم يفدك في شيء فقد تبدد سراباً عند شعب لا يقهر!
أمن حقك أن تنظر إليهم بعد هذه السنين بنفس خطاب الأمس وتناديهم بالعدو!
لا تزال عقلية العدوان تحمل طنين التوصيف كغصة في الحلق.
يا أيها العدو المقاوم، أبعد مرور 50 عاماً لا يزال المعتدي ينظر إليك بذات النظرة القديمة!
تماماً هي ذات عقلية صناع الأفلام المهووسين بحمل مرايا حروب الأمس المتشظية وكأن العدو لم يزل يتربص بهم خيفة، إنه شبح فيتنام يلاحق مخرجي الدراما الحربية الذين أخرجوا أفلاماً عديدة، والأرقام تشير إلى أكثر من 110 أفلام سينمائية، بنسبة 80% من الإنتاج أمريكياً.
هذه النسبة من غير حساب الأفلام التليفزيونية والوثائقية وأغاني الحرب المصورة.
إنها حرب مجنونة سميت أمريكياً وعالمياً "عقدة فيتنام"، وأيضاً هي عقدة هوليوود المستدامة، التي لم تكف عن تصوير حرب فيتنام، إنتاج متلاحق ودراما حربية مستمرة لا تريد أن تتوقف، وآخر أفلام صدرت على النحو التالي:
1- Boint man -2018
2- The Last Full Measure -2019
3- Da 5 Bloods – ٢٠٢٠
تواريخ متقاربة لأفلام حديثة عن حرب فيتنام القديمة الجديدة، حرب انتهت فعلياً سنة 1975، ولكن عند هوليوود لم تزل مشتعلة إنتاج مستمر، فما الغاية من وراء تناول قصص القادة ودور جنرالات الحرب واستذكار المعارك التي دارت رحاها على أرض فيتنام، هل إعادة حرائق الحرب تعطشاً للحرب ذاتها، أم بحثاً عن النصر المفقود!
كم تطالعنا عيون الأخبار، بأن المسؤولين الفيتناميين يعثرون بين فترة وأخرى على قنابل أمريكية مدسوسة في التربة وبين الحقول وأحراش الغابات، ويذهب ضحيتها الآلاف من المزارعين والناس الأبرياء.
خرجت أمريكا من فيتنام ولم تخرج، لم يزل شبحها ماثلاً والآلام توخز أجساد الساسة ورعاة هوليوود الذين ما ملوا يعيدون معارك دارت رحاها منذ خمسين عاماً وأكثر.
إيغال في ماذا؟ هل افتتان بإعادة أجواء القتل والانتقام، أم إحياء لجذوة حرب من أجل تطييب النفوس العليلة وتضميد الجراح وجبر الخواطر المهزومة، إنها الدولة العظمى التي لم تشف بعد من مرض عضال يدعى "متلازمة فيتنام".
يقول حسن حداد: "لقد كانت حرب فيتنام هي ضمير أمريكا السيئ، لذلك سيظل انعكاسها على الأدب والفن يطل علينا من حين إلى الآخر".
أي ضمير وأي دروس تستفاد وهي لم تزل تشن الحروب الخفية والمعلنة وبشتى الوسائل من ضمنها الحروب الاقتصادية، ما الذي يمنعها عن فعل ذلك؟ طالما العالم المتحضر خانع، والويل الويل لمن ينازعها على سيادة الجيوسياسية الأمكنة؟!
وتبارك كل خطواتها هوليوود الموقرة الخادمة المطيعة بتبريرات مستمرة حفاظاً على الأمن القومي ومطاردة مستمرة بشيطنة الآخر تحت شعار "من ليس معنا فهو ضدنا"، دراما تقف له بالمرصاد انعكاساً لعقلية الساسة واستجابة لعقدة التفوق على كل الأمم، إنها سينما مخاتلة تقدم الفن في أبهى صوره وتغزو عقول العالم بقلب الموازيين والحقائق رأساً على عقب، فتزين الشر خيراً والخير شراً، هي هوليوود في أبهى جنونها كما المحارب الذي أصبح آلة حرب بلا روح يقتل بجنون.



