أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«ما حصل للحيين؛ جوا الميتين ابغضايرهم»

عبد الله البيك · القطيف اليومالأحد 9 أغسطس 2020، 1:51 م
«ما حصل للحيين؛ جوا الميتين ابغضايرهم»

يحكى ** أنَّ رجلا من النبلاء، وكبيرَ قومهِ في الجود والسخاء، في هذه البلدة الطيبة، وفي زمن الفقر والمجاعة، كان يوزّع الطعام على الناس قريباً من بعض المقابر في إحدى القرى أو الدساكر، فسرعان ما اجتمع الناس عليه، واصطفوا كالغرثى بين يديه، وهو يغرف لهم من حَسائِه فيشكرون، ويناولهم من سَخائهِ فينصرفون، حتى نفدَ ما في القِدرِ من المرق، فاخبرهم بالأمر ليتفرقوا، غير أن أحدهم ظن به الكذب أو البخل؛ فخطر بباله ما لا يخطر على بال، مستلهماً من بعض الأمثال؛ أحدها "كَفَنْ ابلاش.. با اموت" وأشهرها: "اللي ابلاش، ربحه بيّن" وهو يعرف أن "الخوف يقطع الجوف" فحتى يحصل على ما أراد، ويُنعشَ معدته بطيّب الزاد؛ انزوى للمقبرة وارتدى كفنا من الأكفان، فبان بهيئة الموتى إلى العيان، لعل صاحبه يرتجف خوفا، ويسارع بغرفِ المرق "لغضارته" غرفا، بالرغم عنه لا بالرضا. إلاّ أنَّ الكريم فَطن لحيلةِ اللئيم؛ فلم ترتعد فرائصه، ولم تجبن نفسه، وقال مستنكراً لفعاله، مستخفاً بحاله:
"ما حصل للحيين، جت الميتين ابغضايرها" فطار في الأجواء مثلا..
والمثل -خفيف الظل هذا- يهزأُ بمن يقفزُ لشيء ليدركَه بعد أن عجزَ عن إدراكهِ من هو أعلى شأنا، وأقرب منزلةً، وأكفأ قدرة، فيُضرَبُ لتنافسِ الضعفاء -قوةً وعلماً وجاها- لمن هم أقوى منهم وأفضل، ومزاحمتهم لهم فضولاً أو جهلاً أو تطفلاً وغرورا.
وهذا حال كثيرٍ من الفضوليين (الملاقيف) الذين يتلقفون مَا لا يحسنون تلقف الكرة، ويحشرون انفسهم فيما لا يعنيهم، ويدسون أنوفهم فيما يفقهون وما لا يفقهون، متدخلين في كل صغيرة وكبيرة؛ بحجة الحريّة والانفتاح والتحرر؛ غافلين أن ذوي الاختصاص أولى في التدخّل، وأحجى في التصدي والتفضّل، وان لا سبقَ لمفضولٍ على فاضل، ولا لناقصٍ على كامل.
يناطحون الابطال ويفرون عند النزال، فإذا بان الصبح لذي عينين؛ تبين العالم من الجاهل، والبارز من الخامل؛ وعندها يكرمُ المرء أو يهان و "من دخل بلا عزيمة طلع بلا حشيمة".
ولو تواد الناس وتواضعوا لبعضهم البعض، وتركوا الفضول، وأظهر كل ذي اختصاص ما يبرع فيه، في كل مجالات الحياة؛ لكان حالنا بأحسن حال وبالخصوص في الملمات والنازلات فإن "في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال"..
*"الحيين ما حصل ليهم؛ جوا الميتين ابغضايرهم" رواية أخرى
*‏*كما حدث اخونا قصي النجار (ولعل التمر والدبس في القصة أقرب من المرق)
الحيين: الأحياء كناية للأقوياء وأصحاب الهمم العالية.
جت: جاءوا
الميتين: الخاملين الكسالى. وفي لهجتنا "سلم المَيْتْ" (تقال عند تشييع الموتى) وهو استخدام فصيح لمن تحقق فيه الموت. ويقولون: "فلان بليد تنبل ميّت" بالتشديد للكسول الخامل والتنبل فصيحة.
ابغضايرهم: الغضاير جمع غضارة وهي نوع من الآنية الصغيرة وهي معروفة.
مما ورد في لسان العرب:
"ابن سيده وغيره: الغَضارةُ الطين الحر، وقيل: الطين اللاَّزب الأَخضر.
والغَضارُ: الصَّحْفة المتخذة منه."
معنى المثل:
لم يقدر الأقوياء على الاستسقاء حتى جاء الضعفاء بآنيتهم منافسين.