خواطر لابد منها... ٢٢ / ١

العصمة...
عصمة الأنبياء والرسل والأوصياء...
في هذه الخاطرة المختصرة سيكون محورها عن مسألة مهمة في حياة الإنسان حيث إن هذا المخلوق مكلّف بتكاليف إلزامية من قبل المولى عزّ وجلّ وكذلك الأخلاقية وغيرها ليستقيم على الطريق الذي من خلاله يصل إلى رضا المولى سبحانه وتعالى ومعرفة هذه التكاليف بعث الله سبحانه وتعالى هداة مبشرين ومنذرين ومن صفات هؤلاء الهداة أن عصمهم الله من الزلل ومن كل رجس ولكن يطرح هاهنا أمر مهم حول سعة مفهوم هذه العصمة.
السؤال:
هل الأنبياء والرسل والأوصياء الذين أرسلهم الله جلّ وعلا للناس معصومين من الخطأ مطلقًا؟ وإن كانوا معصومين فما هو الدليل من الكتاب والسنّة والعقل على عصمتهم؟
طالما كان الخلاف بين الطائفة الإماميةالحقة وبين بقية طوائف المسلمين حول عصمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في أنه معصوم في التبليغ فقط أم أنه معصوم من الخطأ والسهو مطلقًا في التبيلغ وغيره كان الأمر سهلًا حيث لدى الشيعة الإمامية الأدلة النقلية والعقلية على مطلق العصمة.
ما دعانا لهذا العنوان هو ظهور بعض الشبهات حول عصمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وإنها ليست بالعصمة المطلقة وإنما في التبليغ فقط وبذلك تسري هذه الشبهة أيضًا لأهل البيت عليهم السلام كذلك.
وهذه الشبهة مخالفة للأدلة الصريحة النقلية والعقلية فهذا أمر يستدعي الحديث حولها وتفنيدها بنحو الاختصار.
ينبغي معرفة أمر مهم وهو أن هذا المذهب الحق مذهب أهل البيت عليهم السلام بعد حفظه برعاية صاحب العصر والزمان روحي فداه هو قائم بصحته وأحقيته على الأدلة القطعية النقلية والعقلية.
ونحن لسنا بصدد هذا البحث وإنما بصدد البحث حول العصمة والشبهة التي أُلقيت فنبقى في هذا المحور.
أولًا: ينبغي أن نتعرض لمعنى العصمة عند الشيعة الإمامية لتكون مقدمة توضيحية مبسطة لأن الخاطرة مبنية على الاختصار.
العصمة لغة:
- (العصمة في كلام العرب: المنع. وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه.
عصمه يعصمه عصماً: منعه ووقاه وفي التنزيل: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم؛ أي لا معصوم إلا المرحوم).
لسان العرب لابن منظور ج ١٢ ص ٤٠٣.
- (أن يعصمك الله من الشر؛ أي: يدفع عنك. واعتصمت بالله أي: امتنعت به من الشر. واستعصمت أي: أبيت.
وأعصمت؛ أي: لجأت إلى شيء اعتصمت به). العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ج ١ ص ٣١٣.
- (الحفظ والوقاية؛ لأنّ عَصَمَ يَعصِمُ تعني: حَفِظَ ووقى). أحمد بن محمد الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ج ١ ص ٤١٤.
العصمة اصطلاحاً:
- هي: (لطفٌ يفعلُهُ اللهُ تعالى بالمكلّف بحيث تمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما). أو هي: (المنع من ارتكاب المعصية والوقاية من كل رجس). الشيخ المفيد (ت ٤١٣ هـ) في نكاته الاعتقادية ص ٣.
- هي: (العصمة لطف اللَّه الذي يفعله تعالى فيختار العبد عنده الامتناعَ عن فعل القبيح). الشريف المرتضى رسائل الشريف المرتضى ص ٣٢٦.
- هي: (كون المكلف بحيث لا يمكن أن يصدر عنه المعاصي من غير إجبار له على ذلك). الخواجة نصير الدين الطوسي قواعد العقائد ص ٤٥٥.
- هي: (لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة، وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك.....). العلامة الحلي في الباب الحادي عشر ص ٣٧.
هذه جملة من التعريفات اللغوية والاصطلاحية التي ذكرها واعتمدها بعض أهل اللغة ومتكلّمي علماء الإمامية حيث اعتمدوها مما ورد في القرآن الكريم وورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
* آية ابتلاء إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام
قال تعالى:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ}.
* آية أولي الأمر
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
* آية التطهير
قال تعالى:
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة بإسناده إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: "الإمام منّا لا يكون إلاّ معصوماً.. فقيل يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة: والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول اللّه تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
وروى الشيخ الصدوق عليه الرحمة بإسناده إلى هشام بن الحكم قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك (أي معنى الإمام لا يكون إلاّ معصوماً) فقال: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
وبذلك يتضح المراد من العصمة ذلك أنّها أساس في الهداية فكيف بشخص يدعي الهداية وهو غير معصوم وكيف له أن يهدي الناس وهو لا يعرف الهداية.
قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
بعد التعرف على المراد من العصمة اصطلاحاً ويتضح لنا أيضًا أنّ للعصمة أساسين تبنى عليهما هما:
- أنها لطف إلهي تعطى لمن أخلص له وتمسك بحبل الله المتين فهي هبة لمن فعل فعلاً استحق عليه هذه الهبة.
فاللطف يحصل عليه من وطّن وهذّب نفسه على ترك المعاصي وفعل الطاعات.
- حيث إن العصمة لطف واللطف هو ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية دون أن يبلغ حد الإلجاء فالعصمة لا تجبر على فعل أمر أو ترك أمر.
* قاعدة اللطف:
اللطف قاعدة كلامية ولهذه القاعدة دور واسع في مسائله قبلتها الطائفة الإمامية الحقة وهي فرع من فروع القول بالحسن والقبح العقليين فمن اعترف بهما أخذ بنتائجهما ومنها لزوم اللطف على الله جلّ وعلا.
العصمة وخصوصية اللطف:
إنّ اللطف هو ما يفعله الله تعالى للعبد بحيث يكون معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية بحيث لا يكون له حظ من التمكين ولا يصل بالعبد إلى حد الإلجاء عن الحكمة لأن الإلجاء يتنافى مع التكليف.
الحكمة بطبعها تفرض بأن يكون الموَكّل بأمر ما تتوفر فيه المقتضيات اللازمة والملائمة للمهمة الموكَل بها والتي تجعله أقرب إلى التأثير الإيجابي في الموَكّل برعايتهم وأبعد عن التأثيرات السلبية المعاكسة.
إنّ اللطف الذي نتكلم عنه في المقام ـ في موضوع العصمة ـ هو توفير المقتضيات اللازمة للنجاح.
نلاحظ مما سبق أن اللطف إنما هو توفير للمقتضيات اللازمة والملائمة لهذه المهمة العظيمة للوصول إلى الهدف المنشود من البعثة الشريفة المباركة وهي أبلاغها للناس كافة.
العصمة قبل البعثة:
التأثير الإيجابي على الناس من الأمور المهمة جدًا بخلاف التأثير السلبي الذي يبعّد لا يقرب في الاستجابة من عدمها فالعصمة قبل البعثة من الأمور المهمة إذاً فعلى ذلك تكون العصمة من المقتضيات اللازمة والملائمة من حيث وجودها.
فعصمة الأنبياء والرسل والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين تقتضي بالدليل العقلي عصمتهم المطلقة قبل البعثة كذلك حيث صدور ما لا يتناسب مع مقام التبليغ والإرشاد يبعد الإنسان عنه وذلك للشك في مصداقية ما يدعو إليه.
ذكروا أن للعصمة ملاكات سنتعرض إليها في الخاطرة القادمة وعلى نحو الاختصار كذلك وأما من أراد أن يتوسع في مبحث اللطف فيرجع فيها إلى المطولات من كتب الأعلام في مبحث النبوة والإمامة.
لسلامتك وسلامة عائلتك ومجتمعك ووطنك ابق متبعًا لنصائح الجهات المسؤولة.



