لمسة وفاء في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الوجيه السيد جبر العباس

صادف ختام مجالس فاتحة السيد الليلة الأولى من شهر المحرم لعام ١٤٤١هـ.
وكان الخطيب البارع السيد مصطفى الساده أطال الله بقاء سماحته قد عرج على بعض شذرات الذهب من خصاله وسيرته العطرة، وكنت حاضراً، وما إن فرغ من المجلس بدأت بتأبينه، وكنت أدّعي البيان وامتطاء مطيته ولكني وجدت صعوبة في التحدث عنه كأيقونة، فقد تبعثرت الحروف من أمامي وتدحرجت الكلمات فلم أجد عبارة أو مفردة تليق بشأنه، وبعضها ربما تنقص من قدره.
ولم يكن الحضور كما ينبغي لانشغال الناس بالمجالس العاشورية، وقد شعرت بأن الحاضرين أجساد فقط وقلوبهم تتلهف لأبي عبد الله الحسين، فاختصرت التأبين ووعدت الحضور بتأبين يليق بمقامه في أربعينيته، ولكن شاءت الأقدار أن ألتحق بالعمل في مستشفى خاص ودوامه صباحًا ومساءً فتعذر الحضور على الموعد.
ما كنت لأعرف السيد قبل أن يرسل إلي الحاج منصور جميعان وكان رجلاً موالياً أريحيّاً يأسر الحجر؛ جاءني إلى بيت عمي الحاج علي آل شيف رحمه الله، حيث ابنته، وأخذ بضبعي وقصد بي السيد وأدخلني عليه وانصرف، فكدت أن ألحق به.
في تلك الأثناء دخل السيد أسعد وسماحة السيد يوسف وكانا لم يبلغا الحلُم بعد وسلّما علي، فسُرِرت بهما وتجاذبت أطراف الحديث مع السيد وبدأ يحدثني عن عزمه إقامة احتفالات الأئمة الأطهار، وأنه يحتاج إلى من يساعده وأسند إلي مهمة عريف الحفل؛ مهمة عظيمة، ومسؤولية جمّة، ربما هي أكبر من حجمي.
ولأني كنت صانعًا آنذاك لملالي القرية، ورادوداً قبلت بالمهمة؛ ومن هنا انطلقت مسيرتي معه ونجحت احتفالاتنا أيما نجاح، ولست وحدي فقط بل كنا ثُلة من أصحابه نعمل تحت إمرَته.
كانت احتفالاتنا وللتاريخ أشهد كشاهد على العصر أعظم احتفالات المنطقة؛ يتواجد ويشارك فيها كثير من الأعيان، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
فضيلة الشيخ حسن الصفار
الخطيب سعيد أبو المكارم
الأستاذ مهدي سويدان
الأستاذ حسن خليف
والكثير يضيق المجال بذكرهم.
وفي أحد احتفالات بمولد الرسول الأعظم، جاءنا فتى أمرد ليشارك معنا لأول مرة فاعتذرت له، فالوقت ضيق لا يتسع لمزيد من المشاركين، فأشار عليه الأخ أحمد مهدي القاسم وهو أحد الكوادر بأن يذهب إلى السيد رئيس الحفل ويخبره بذلك، فأشار إلى السيد بأن أعطيه فرصة فلربما تأخر أحد المدعوين، وهذا ما قد حصل، فقد تأخر الأستاذ حسن خليف عن الحضور، فأعطيته الفرصة بدلًا عنه، وألقى ذلك الفتى قصيدة أحمد شوقي:
وُلد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
فشخصت له الأحداق، واشرأبت له الأعناق وطلب منه الحضور الإعادة أكثر من مرة، هذا الموقف من السيد ربما كان له الأثر في النقلة المفصلية في مسيرة هذا العالم، وهو السيد منير الخباز.
هذا غيض من فيض من مواقف السيد التي لو أطنبنا فيها لكلأ البنان ونفد المِداد.
تخرجنا في مدرسته فكان لها الأثر بما نحن فيه الآن، سيد جواد كريم، يحترق ليضيء شمعة من حوله في النفق المظلم ليستنير بها الجميع، يحب في الله ويبغض فيه؛ هو أمة في رجل، هو دستور دولة أساسها العدل والرخاء؛ لا يتوانى في إعمار مسجد، وإغاثة ملهوف، وإعادة مريض، وإصلاح ذات بيْن.
كان يركز على زيارة المرضى ويحث عليها، ولما لم نمتثل في إعادة مريض من أصحابه رأيناه يعتصر ألمًا وتمنى لوا أن الأرض ابتلعته.
سيدي أبا أسعد؛ برزت من بيت الكرم والجود، فتدفقت ينابيع الكرم من حولك؛ يسعدني أن أبوح بمكنونك، وفخور بمآثرك، سيد ذو عفة هذبتك الآداب، وأحكمت التجارب، رزين حليم، لك تواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، حديثك يتلألأ بأنوار المودة، يغزو القلوب بعذوبته؛ إذا صمت جلّله الوقار، وإن تكلم سماه البهاء، قامت إلا عن الحق وعن فواحش الكلِم، كأنما فمك روضة، ولسانك ريحانة، عذب الحديث، في عينيك الواسعتين أمل ينير دياجير الظلام.
ما أعظمك من رجل، طموح من غير طمع، أبي من غير تكبر، إذا حلّ بمجتمعك خطب بذلت له حياتك وأعطيته دمك الطاهر.
سيدي رحلت وفي نفسك شيء من (حتىّ) كما يقول النحاة.
سيدي رحلت وتركت لنا العجز في وصفك وتأبينك، وصياغة مفردات تليق بشأنك، فهنيئا للترب الذي ضمك لأنه سيتشرف بوطء أقدام أجدادك الطاهرين وهم حضور عندك يتشفعون لك عند السؤال.
دكتور حسن آل شيف
استشاري باطنية ومناظير الشعب الهوائية، مستشفى السعودي الألماني.



