أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا شيء في المطبخ إلا ويعتمد عليه

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالسبت 22 أغسطس 2020، 4:36 م
لا شيء في المطبخ إلا ويعتمد عليه

إن الإنسان مند بدء الخليقة وحتى الآن لا يزال يبحث عن مصادر مختلفة لتحسين غذائه، وذلك لغرض التلذذ والاستمتاع بالمذاق والطعم الطيب، ومحاولة التعرف على تلك المصادر أمر قديم، وأثناء البحث المستمر استطاع الإنسان أن يتعرف على خصائص النباتات والاستفادة من ثمارها أو أزهارها أو بذورها أو أجزائها المختلفة، واستخدمها في مجالات متعددة أظهرت فائدتها من الناحية الطبية والغذائية.
من هنا وجد الإنسان التوابل والبهارات كدواء وتنكيه الغذاء، هو ما يبحث عنه.
رغم أن شبه القارة الهندية أرض التوابل والبهارات، إلا أن سكانها يؤكدون أن موطن البهارات الأصلي هو الصين، وأنها انتقلت إلى الهند منذ مئات السنين، ويقولون بأن أهل الصين لم يفقهوا حقيقة فوائد هذه البهارات وأهميتها للصحة، وأن أهل الهند قد أدركوا حقيقتها إدراكاً متوارثاً عبر القرون؛ فعلموا أسرارها وخفاياها في عالم الطهي والعلاج.
ولم تكن معروفة لدى الغرب إلا من خلال رحلات البحارة الأوروبية إلى بلاد الشرق.
تشير الدلائل إلى أن رحلة ماجلان الشهيرة ومن بعدها رحلة كرستوفر كولومبوس، لم يكن الدافع إليهما يمت إلى العلم بصلة، بل كانت غايتهما اكتشاف أقصر الممرات إلى بلاد الشمس الساطعة ليملأوا سفنهم من نتاج الشرق ليبيعوه في بلادهم بأبهظ الأثمان، توابل الشرق التي وصلت إلى ملوك وأغنياء أوروبا، هم وحدهم الذين يتمتعون بمذاقها الحرّيف، وشذاها المنعش.
واليوم فقدت التوابل قيمتها في سوق الذهب، فأصبحت تباع بثمن زهيد، ولكنها لم تفقد مكانتها الغذائية ولا أهميتها العلاجية.
التوابل والبهارات هي أجزاء نباتية تضاف إلى الطعام، فيحسّن طعمه وشكله ولونه ورائحته، فقد تكون أوراقاً وسيقاناً مثل البقدونس والنعناع أو قد تكون براعم وأزهاراً مثل القرنفل والزعفران أو ثماراً مثل الفلفل الأخضر والفانيلا أو جذوراً أو ريزومات مثل الزنجبيل والكركم وعرق السوس والثوم أو بذوراً مثل الخردل وجوزة الطيب والفلفل الأسود والأبيض والهيل وحبة البركة والكزبرة وقد تكون لحاء شجرة مثل الدارسين.
والتوابل والبهارات أنواعها كثيرة، وألوانها مثيرة، واستعمالاتها متعددة، ولها صفة مشتركة؛
إكساب الأطعمة نكهة طيبة وشذى مثيراً للشهية.
فغدا المطبخ الهندي بذوقه ونكهته جامعاً لطعم البهارات الخمسة ورائحتها ونكهتها، وهي الهيل والقرفة والزنجبيل والقرنفل والفلفل الأسود، فجمعت في مسمى واحد وكان "الكري"، بينما نجد كري مدراس قد حوى الكركم والفلفل الأحمر والبصل والثوم الجافين مع الكزبرة والينسون، وقد نجده في منطقة أخرى قد حوى أوراق الغار، وربما نجده في موقع آخر وقد أضيف إليه الزعفران.. وقس على ذلك التفاوت في إضافة البهارات لأطعمتهم.
نراها في أسواقنا اليوم معبأة جاهزة بخلطات مختلفة ونكهات متعددة، أو تُعد حسب الرغبة في محلات بيع التوابل والبهارات المجهزة بماكينات الطحن والجرش.
والسر وراء تفضيل الكثير من الناس تلك الخلطات المحلية يكمن في نكهتها الطيبة وفتحها للشهية، وحداثة تعبئتها، وهذه تأتي من الخبرة والمهارة لدى الشخص الذي يمزجها، فعند الطحن تكون رائحة التوابل محتفظة بخواصها وذات رائحة عطرية قوية.
ولضمان نقاوة وجودة التوابل يفضل إعدادها وتجهيزها من خاماتها الطبيعية، وتستخدم فوراً أو تحفظ في عبوات محكمة الغلق، نظيفة وسليمة، ومصنوعة من مادة لا تؤثر عليها، وتخزن في أماكن جيدة التهوية بعيدة عن مصادر الحرارة والرطوبة والتلوث أو في الثلاجة حتى لا تفقد النكهة المميزة لها.
ينصح باستخدام التوابل من مصادر موثوقة، لأن السوق مليئة بأنواع كثيرة من التوابل المغشوشة.
الغش مصيبة، وهو فعل مقصود، يقود إلى مشاكل صحية، وظاهرة التوابل المغشوشة مسألة بحاجة إلى توقف، خطرها يتركز في استخدام مركبات كيميائية أو إضافات غير مطابقة أو ملوثات، لها عواقب كارثية على المستهلك.
ثمة تلاعب يستوجب من الجهات المعنية أن تفرض رقابة صارمة على التوابل والبهارات من
حيث استيرادها وتسويقها واستهلاكها أو حتى تصنيعها وفحصها مخبرياً للتأكد من سلامتها ومأمونيتها.
أغلب التوابل والبهارات المستوردة هي من الهند وباكستان وبنغلاديش والصين، وتخضع معظمها للفحوصات المخبرية مثل السموم الفطرية
(الأكراتوكسين)، والأعفان، والألوان الاصطناعية، والمعادن الثقيلة، والمتبقيات؛ للتأكد من صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
فمن القضايا المهمة في هذا المضمار:
• الكركم: هو الصبغة الصفراء التي تستخدم بكثرة كصبغة لتلوين الغذاء، وتدخل في إعداد بعض التوابل مثل مسحوق الكاري، وتؤكد الدراسات خواصه الطبية ودوره في منع السرطان،
ومسحوق الكركم من المنتجات الغذائية التي قد تتعرض للغش والتدليس كون بعض أصناف جذور الكركم بعد سحقها وهي رطبة يصبح لونها باهتًا، والمستهلك لا يميل إلى هذا اللون بل يبحث عن مسحوق الكركم الذي لونه أصفر زاهٍ، فيلجأ بعض ضعاف النفوس إلى وسيلة لإكساب مسحوق الكركم باللون المرغوب فيه، باستخدام مادة كرومات الرصاص؛ المادة السامة المحظور استخدامها عالمياً في معالجة المنتجات الغذائية، لأن تعاطي الغذاء الملوث بعنصر الرصاص يرفع مستواه في الدم ويسبب تسمم الأعصاب، والإصابة بأمراض القلب والدماغ.
ومختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء أظهرت لنا نتائج إيجابية لبعض العلامات التجارية التي تستورد من بنغلاديش، ارتفاع نسبة الرصاص فيها عن الحد المسموح به (0.1) جزء في المليون.
• الفلفل الأحمر يحتل مكانة مهمة لدى الشعوب كلها، ومازال يحتفظ بتلك المكانة، وأسعاره لم تنخفض رغم انتشار زراعته ووفرة إنتاجه.
الطريقة التقليدية المتبعة في تحضير الفلفل الأحمر وتجهيزه في شبه القارة الهندية تختلف عن بقية البلدان المنتجة له، حيث تقطف الثمار الكاملة التي تجمع من شجرة الفلفل يدويًا وتجفف على أسطح واسعة فى الشمس ثم تعبأ بشكلها الكامل أو تطحن على هيئة حبيبات مجروشة أو مسحوق ناعم، تلك الطريقة انتشرت في شبه القارة الهندية وهي طريقة غير مرغوب فيها؛ لما لها من آثار سلبية، وهذا ما أكّدته الفحوصات المخبرية من محتوى الأعفان والسموم الفطرية "سموم الأكراتوكسين" وخصوصاً الإرساليات الواردة من بنغلادش.
شعيرات الزعفران: مياسم زهور نبات كروكس لينيس ذات لون أحمر داكن، تستعمل على نطاق
واسع كمادة ملونة وكمكسبة للطعم، حيث تضاف إلى بعض المأكولات، كما أن لها استعمالات طبية وفي تحضير بعض الصبغات، ونظراً لارتفاع قيمة الزعفران وصعوبة زراعته وجنيه فقد أصبح مجال الغش فيه مشهوراً، بأشكال مختلفة منها:
- غشه بأزهار ذات مياسم مشابهة له في الشكل واللون، ومن أشهرها العصفر، وتباع على أنها زعفران.
- يصبغ الزعفران المخلوط مع أزهار نباتات أخرى مشابهة، ويباع على أنه زعفران حقيقي.
ولتحقيق سلامة وحماية المستهلك من الزعفران المغشوش، ألزمت الهيئة العامة للغذاء والدواء قطاع التفتيش بإحالة جميع عينات الزعفران للفحص المخبري للتأكد من أصالة المنتج وخلوه من الصبغات.

• يسمح باستخدام المواد الملونة أو الصبغات في الأغذية طبقاً للوائح الفنية والمواصفات القياسية الخليجية، وحينما تصبح إضافتها تنطوي على الزيف أو التضليل أو الخداع أو حدوث لبس لدى المستهلك، فلا يسمح بفسحها أو تداولها - مواصفة GSO 9/2013.
• يجب أن تكون التوابل والبهارات خالية من الحشرات الحية والنموات الفطرية ومن الحشرات الميتة وأجزائها ومخلفات القوراض الظاهرة بالعين المجردة، وقد تلجأ شركات التصنيع إلى تقنية التشعيع للقضاء على الأطوار الحشرية، ويترتب على ذلك تلوث البهارات من جراء معالجات التعقيم الإشعاعي، وعلمياً أصبحت تقنية التشعيع مصدرًا مهمًا من مصادر التلوث.
ينصح بشراء البهارات والتوابل من أماكن ذات السمعة الجيدة، وألا تكون منتهية الصلاحية وأن تطبخ مع الطعام؛ لأن كثيراً منها يحتوي على بكتيريا وأعفان وفطريات تنمو وتفرز السموم.
التوابل علامة مهمة لهواة الأطعمة الشهية فهي تضفي نكهة طيبة على الطعام، والخليجيون شغوفون بوضع التوابل الحريفة في طعامهم، وهذا هو سر تميز المطبخ الخليجي، فهذه عادة متوارثة من آبائهم وأجدادهم الذين كانوا يجلبون الأبازير أو البهارات من الهند، ويستخدمونها في طبخهم.
المستهلك بدا في حيرة من أمره، ما هو الغذاء الطيب؟ وأين يجده؟ فالعرض كثير على حساب الجودة والسوق مليئة بأنواع كثيرة من الأغذية المغشوشة وهناك ممارسات ضارة.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات