أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الراحلون إلى السماء تمهّلوا

نازك الخنيزي · القطيف اليومالخميس 10 سبتمبر 2020، 8:16 ص
الراحلون إلى السماء تمهّلوا

كان هاتفي مقلوباً بجانبي حين نظرت إليه لأرى تلك الرسالة التي قلبت رأسي ولم أستطع أن أتبين الأمر غير مصدقة ما أرى!
مستحيل أن تكون هي! لابد أنه تشابه أسماء فقط! لا هذا كابوس بالأشواك صفعني وصدر من داخلي صدى صرخة تتسلق الوجع بصمت، رأيت الأفق ضبابيًا واللحظات حقول ملغمة، وقلبي عصفور يحاول القفز من بين أضلعي ولا يستطيع.
آه لا مجال للإنكار إنها بعينها تسابقت الدموع بلا بكاء، الأضواء تعج في رأسي حد الغيبوبة، الأرض تموج والسواد امتداد، رجعت إلى هاتفي مرة أخرى لأجد رسالتي الأخيرة لها قبل ما يقارب ثلاث ساعات في الوقت الذي كانت فيه مُلقاة على بعد أمتار من موقعي، هو الوقت الذي ولجتْ فيه ممر ذاكرتي وصعدت فيه روحها إلى بارئها.
إنه إحساس الأرواح المتآلفة التي تشق الغيم وتحارب الذبول بصوت من الله.

بلا وداع رحلت وأسرجتِ المنون بلا سؤال، فُجعنا بفقدها الذي ثقب أرواحنا، وأجج الوجع في كل قلب تاركة ندبة عالقة في بؤرة القلب.
هل ضاقت بكِ الأرض فرحلتِ لتحتمي بخالق الكون؟!
مصابكِ مر وذكركِ حي في قلوب من عرفوكِ من قريب أو بعيد لقد رحلتِ عنهم وليس منهم.
رحلت الروح المضيئة الروح المحبة والمتسامحة، التي كانت للحياة ظلاً، روح لم تثبت في حياتي طويلاً أجبرني جرحها أن أنبش فيما تبقى من الحلم بين الأمس واليوم لأفز من ذهولي بوجع فتيله كتلة حزن جاثمة لن تنصهر لأرى ذاك التوهج البعيد يلوكه الظلام!
امتلأت طهراً وغابت عن الدنيا كنسمة إلى وطن النائمين في الفردوس الأعلى من غير أن تقول وداعاً، قفلتْ الهاتف في مكالمتنا الأخيرة على وعد بلقاء قريب جداً، لم أكن أعلم أن هذا كان وداع أنفاسي لأنفاسكِ، لأنكِ وضعت عطر الحزن على صدري وأنا أقطع صمتي بظلكِ!
روحكِ يا هناء لم تمت إنها انتقلت إلى الإقامة خارج حدودنا، ونحن في وسط طريق يسابق الريح على شراع رئته هي الحروف التي شنقت الكلام على مفاصل الغياب.
هي لم تمت بمفردها لقد ماتت معها قلوب محبيها في تلك الجمعة السوداء التي عربدت بالوجع في القلب والمُقل.
لا أريد أن أرثيكِ يا هناء لأن الكتابة لا تكفي ولأن الخطوات سحقتنا ولأن الرثاء موت من نوع آخر عبارة عن كلمات تنهال على الميت وكأنها سيل عارم.
أريد أن أتلو صفاتكِ التي هي مربط الفرس؛ أمٌ رؤوم، نقية، تقية، ظاهرها يشبه باطنها كالشمس حين شروقها، ليت لروحها أشباه كثيرة!
يا قوي، اللهم جبراً وصبراً تسكبه على فلذاتها وزوجها وذويها ومحبيها قوة تثقب الحجر تمنحنا إياها وتجمعنا بها في جنة لقاء لا فراق بعده أبدًا… رباه سدد خطوات صغارها في هذا الدرب الطويل وثبت أقدامهم وقلوبهم بصبر يروي حلكة الأيام.
أيها الموت الفقير في مهارات التواصل لما لا تترك أغصاننا الخضراء للحب؟
لما لم تترك برودة النظرات والأطراف الدافئة تحت تلكَ النخلة الشاهقة؟
لما لم تترك لها مزيداً من الفرح لتستقبل أعوامها وتضم أبناءها وعلى مقعد جانبي تقبّل جبين أمها قبل أن تحلق إلى السماء حاملة أوراقها التي جمعتها في الأيام المنصرمة!
صعدت شهقتها الأخيرة وعلى يمينها بحر يبكي وعلى يسارها تذكرة بلا رجوع ألقى بها الصياد بعيداً والوقت مسافات وحنين وهدير يلف أعماق القلب.
مدحتُ فيكِ حروفاً قد عجزت بها
إليكِ مني سلام دائم اللهج
أحسن الله عزائي وعزاءكم وتكفلنا برحمته وعنايته إلى أن نلقاه على سرر متقابلين.