تنبؤات درامية أم سينما متواطئة (48)

بعيدًا عن مسميات الأوبئة المتلاحقة التي مرت خلال السنين الماضية على شعوب بعينها، ودون الخوض في تفاصيلها، إلا أن كل وباء نزل وبشكل عام نال ما نال ممن أصيبوا به، ولكن إحصائيًا كانت النسب متفاوتة من وباء لآخر والأرقام شبه محددة، ومما لا شك فيه حصلت بضعة خسائر بشرية لكنها لم تكن بتلك الأعداد الكبيرة والمفزعة أو المتصاعدة يومًا بعد يوم، وحتى المناخ العام متعايش دونما خوف أو وجل، لأن الأوبئة ظلت حبيسة ضمن نطاق جغرافي محدد، وتمت السيطرة والتغلب عليها، وأيضا لم تحدث هلعا ورعبا أو مخاوف متزايدة بين أطياف السكان، ظلت حركتهم طبيعية، والأهم من ذلك أن العدوى لم يكن لها صدى الانتشار، فقد حوصرت ضمن مكان منبتها وفي أوقات قياسية، وإن كانت تأرجحت تفشيًا بين مد وجزر لكن في النهاية تم القضاء عليها وأصبحت في خبر كان، وكأن الأمر مر بسلام، الطريف أن شعوبًا لم تسمع بهذا الوباء أو ذاك، إجمالًا الكل كان في مأمن.
أما وباء 2020 الطامة الكبرى فقد اجتاح العالم كله من أقصاه إلى أقصاه، ولم تسلم منه لا قارة ولا دولة، ولا مدينة صغرت أم كبرت ولا بلدة منزوية في ركن قصي، ولا حتى قرية نائية في واد أو بليدة تسكن هضبة منسية، كل استشعر الخطر والكل مذعور من هول ما حدث، العالم برمته شملته جائحة كروونا.
وإلى الآن تسعة أشهر مضت على الوباء ومسلسل الخسائر البشرية في تصاعد والأضرار المادية لا تعد ولا تحصى.
وباء تسبب في قطع الأعناق والأرزاق، زلزل حكومات وفتك بشعوب الكرة الأرضية قاطبة، لم يشهد مثيلًا له منذ 100 عام، ولايزال الخطر جاثمًا على الصدور بحصد الأرواح تلو الأرواح، جنون وبائي اجتاح سكان العالم قاطبة ولم يسلم من رعبه أحد.
الناس في ذهول، والسؤال المؤرق؛ لماذا أصحاب العقول الذين فكروا خارج الصندوق توقعوا حدوث ذلك؟!
ما بين العلم والتنبؤات والدراسات والتحاليل والتوقعات كانت الصور قاتمة تنذر بشيء ما سيحدث بناء على كثير من المعطيات العديدة، والاستنتاجات المستفيضة، من أين لأهل العلم أن يكونوا على بصيرة ودراية، بأن كارثة أممية قادمة لا ريب في وقوعها؟
هل ثمة أشياء تحاك خلف الكواليس وعيون الفضول لا تراها، كيف استطاعوا الاهتداء للمجهول؟ أشيء يُفصّل ويُرتّب في الخفاء بتحريض مفتعل ويغلف بأمر كوني، وكأن الحدث واحد من كوارث الطبيعة، أصحيحة تلك الظنون؟ أليس في الأمر سر دفين؟
وإذا سلمنا جدلًا بأن الطبيعة تتربص بالبشر بين حين وآخر، كيف علمت تلك العقول المستنيرة بحدوث وباء كوفـيد 19 قبلا، والأغرب لماذا حدد مستشرفو المستقبل مكان نشوء الوباء وسنة انتشاره؟!
أيتها الحيرة، شعوب وقبائل وأمم مذهولة من سكرات الوباء، الكل حيارى في هذا الزمان الحائر؟
كم هائل من المقابلات لعلماء ومحللين سياسيين
وباحثين، بعض منهم يجزم وآخر لا يستبعد أن ما حدث
عمل مدبر!
وكيف للتوقعات أن تصدق حرفيا وكيف للتنبؤات أن تستدل السبيل؟
من بين ما اطلعت عليه من أشياء مذهلة، فيديو للإعلامي والصحفي المعروف "سامي الكليب" ، يستعرض كتابًا باللغة الفرنسية، عنوانه
(LE RAPPORT DELA CIA - Comment Sera le monde en 2020)
ومعناه "كيف سيكون العالم بعد فترة، أو غدًا "هذا الكتاب شارك في صياغته 2500 خبير من 35 بلدًا، هو تقرير حديث لـCIA.
يقول سامي الكليب نقلًا عن الكتاب الضخم وقد اختار جزءًا بسيطًا مما جاء فيه لكنه مثير حقًا:
(إن ظهور وباء جديد سيستند إلى تحولات في الفايروسات والأوبئة الموجودة حاليًا وبينها مثلًا "كـورنا" فايروس المعروف ب SRAS، إذا ما ظهرت جائحة جديدة، فهي ستكون
بلا أدنى شك في مناطق مكتظة بالسكان، وحيث يحصل اختلاط كبير بين الحيوانات والبشر)، ويقول التقرير الذي أعد قبل 15 عامًا "إن مثل هذا موجود في الصين والجنوب الشرقي لآسيا حيث الشعوب تحتك بالحيونات، وحيث إن تربية المواشي التي تتم بلا رقابة أو تشريع، تعزز انتشار فيروس يشبه (H5N1)
بين الحيوانات، ما يعني زيادة الخطر من ظهور وباء خطير، إذا ما ظهرت جائحة جديدة فهي ستكون بلا أدنى شك في مناطق مكتظة بالسكان".
ويقول التقرير أيضًا: "إن عدد الأمراض يزداد وستظهر حالات جديدة كل شهر، وإن عدد اللقاح الفعال أو المناعة في باقي دول العالم سيعرض الشعوب لعدوى شاملة، في أسوأ الأحوال سوف يصاب مئات الملايين الغربيين بالمرض وسوف يموت عشرات الملايين، أما في باقي دول العالم أي غير الغربي فإن تدهور البنى التحتية الحيوية والخسارات الاقتصادية الهائلة التي ستحصل ستؤدي إلى إصابة ثلث شعوب العالم بهذا الفيروس الجديد، مما سيؤدي إلى وفاة ملايين البشر، إن الوباء سينتقل عبر مسافرين تظهر عليهم أو ربما لا تظهر عليهم عوارض الوباء".
هذا ما ورد في التقرير الأمريكي منذ عام 2005 عبر دراسة مستفيضة من باحثين متخصصين، أي تشابه بين ما ذكروه وما يحصل اليوم!
والشيء المحير أن الدول الغربية المتقدمة التي تضع الدراسات في مختلف المجالات باستشراف المستقبل وتدرس الاحتمالات والتطورات الأمنية والسياسية والمناخية والاقصادية على دراية بذلك وبأن الاستخبارات الأمريكية قد توقعت ظهور الفايروس قبل أن يحدث! واحتمالية أن يأتي اليهم كعدوى مستفحلة، هل كان الأمر في نظرهم ربما معدومًا، لماذا لم يفعلوا شيئًا للاستعداد لرده أو صده أو التقليل منه، هل ظن المسؤولون أن الوباء لن يطالهم مطلقًا؟!
ويؤكد الصحفي سامي الكليب أيضًا أن هناك شخصية فرنسية مرموقة توقعت حدوث وباء مدمر آت لا محالة، إنه كلام محسوب من كاتب سياسي واقتصادي ومحلل إستراتيجي ذي شأن كبير، فقد كان مستشارًا للرئيس الفرنسي الراحل فرانسو ميتران، وقد وضع عشرات الكتب من ضمنها "المهمة الإستراتيجية" إنه "جاك اتلي"، ماذا قال في كتابه "الأزمة وماذا بعد" الصادر عام 2009: "إن جائحات ستأتي وسوف تكون أكثر خطرًا من أنفلونزا "H1N1" سوف تحصل كوارث مرعبة للبشرية"!.
بعد نهاية الفيديو الذي أعده سامي الكليب توقفت مليًا والدهشة تتسع والحيرة تتعاظم، وفي اليوم التالي كنت أتصفح مجلة الفيروسات "بيوميد سنترال" تضم ورقة بحثية أعدت عام 2007 بأن باحثين حذروا من تطور وظهور فيروسات قاتلة، قائلين في البحث: "ثقافة تناول ثدييات غريبة في الصين هي عبارة عن قنبلة موقوتة، احتمالية ظهور فيروس مثل السارس ليست ببعيدة".
هذا وقد حل ما حل بالبشرية، والسؤال المحير: كيف استدلوا من قبل؟ وبالفعل كل ما توقعوه حدث، وقد أصابهم كحال غيرهم والاستخبارات الغربية والأمريكية خاصة كانت على علم ودراية ومرة أخرى لماذا لم يأخذوا الاحتياطات اللازمة ويبعدوا الجائحة عن دولهم أو التخفيف من وطأتها على شعوبهم، هل توقعوا أن الضرر سيكون وقعه عليهم محدودًا، أظن أن الأمر خرج عن السيطرة، وتهكما أصحيح "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها".
اللافت أن الأبحاث دائمًا تشير بشكل أو بآخر إلى مكان معين، مكان مكتظ بالسكان وحددت التقارير جهة معينة دون غيرها من جهات الأرض المترامية، فقط جغرافية دول جنوب شرق آسيا، مع العلم أن سكان هذه البلدان يأكلون الثدييات والحيوانات البرية منذ مئات السنين، لماذا لم يحدث أي وباء لهم من قبل وعلى الأقل بنصف حجم ما هو حاصل الآن، لماذا أتى في هذا العام؟ وكيف حددوا الوباء مكانيًا وزمانيًا في كل التقارير السابقة، والمدهش حقًا علامة الاختيار، أن يعلموا أن الوباء سينطلق تحديدًا من الصين دون غيرها من البلدان المجاورة؛ الأمر يدعو للريبة؟!
دلالات ودراسات تشير إلى أن جهة ما تتربص للإطاحة بهذه الإمبراطورية بأي صورة كانت، لأنها قوة متعاظمة، مشاكسة لأمريكا خصوصًا وللغرب عمومًا، فأرادوا إغراقها بالوباء، سواء دفع مغرض أو عن طريق تنبؤ مقدس أو توقع علمي، أو بفعل أيد خفية لما يسمى "بالدولة العميقة"، وربما هي أمنية حققتها قوى الشر، واعتقدوا أن إشعال هذا الوباء سيقضي على الصين لا محالة! كم ظنوا بالأمس أنهم سوف ينتصرون في حربهم على فيتنام، لكن الأمر ارتد عليهم!
هل سنشهد دراما تنبؤية مستقبيلة مخيفة أبعد من سيناريو فيلم هوليودي، يحدث ضجيجًا مميتًا أعظم وأكبر مما حدث، ستظل مقولة ميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" سارية المفعول مادام الإنسان عدو أخيه الإنسان.



