أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأناقة الظاهرية والفكرية جاذبتان

زكريا أبو سرير · القطيف اليومالخميس 22 أكتوبر 2020، 11:24 ص
الأناقة الظاهرية والفكرية جاذبتان

هناك حكمة رائعة تقول: كن أنيقًا في ملبسك ولن تنساك العيون، وكن أنيقًا في فكرك ولن تنساك القلوب.
تنبئنا هذه المقولة الجميلة عن مفهومين مهمين ينبغي لكل واحد منا الاهتمام والعناية بهما؛ الأناقة بالمظهر الخارجي للإنسان، والاهتمام بالأناقة الفكرية، التي يعبر عنها بالسلوك الإنساني النابع من العقل والقلب.
إذن هناك مفهومان للأناقة، ينبغي للإنسان السوي أن يتحلى بهما وهما مكملان لبعضهما البعض؛ أولهما الأناقة الشكلية الظاهرية، الذي ترمز إلى اهتمام الإنسان بشكله الخارجي، أي جسده وملبسه، والجزء الآخر مفهوم الأناقة الفكرية، التي تعبر عن الأخلاقيات والسلوكيات العامة الصادرة من الشخص، التي تراها في مختلف حياة الفرد والذي يعبر عنها بالتربية أو السلوك، كالحوار والألفاظ والحركات والاستماع والإنصات والصدق وعدم الكذب والأمانة... إلخ.
بعد هذه المقدمة البسيطة عن مفهوم الأناقة، هل ينبغي علينا كأفراد أن نكون أصحاب أناقة شكلية وفكرية، هل مطلوب منا أن نترجم هذين المفهومين على واقع حياتنا؟ وهل هناك توجيه ديني إسلامي يحبب أو يرشد نحو الأناقة الفكرية والظاهرية، فضلًا عن كون هذا الأمر فطريّا عند الإنسان، أو ما مدى حاجتنا لهما؟
يبدو أن كل العقلاء يتفقون بإجابة نعم، ينبغي على كل إنسان سوي أن يتمتع بأناقة شكلية وأناقة فكرية، وهذا يعتبر جزءًا من حقوقه الإنسانية، والثقافة الدينية الإسلامية مليئة بأدبياتها الرائعة التي تحث على الاهتمام البالغ في الأناقة الشكلية والفكرية، بل وتثيب على ذلك من يهتم ويراعي هذين الجانبين المهمين في حياة الفرد، وتعاقب وتحاسب من يهملانهما متعمدًا وهو قادر على صنع ذلك، والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي ترشد وتحث نحو هذا الاهتمام بأناقة الشكل والفكر هي عديدة، بل في غالب جوانبها قد أوجبتها، سواء كانت على صعيد معاشرة الناس المباشرة أو غير المباشرة، أو في حالة ممارستنا للعبادات الواجبة، نجدها حاضرة ومتفاعلة، فضلًا عنها في المباحات.
وأذكر هنا بعضًا من تلك الآيات المباركة التي تؤكد على هذه الثقافة الإنسانية، من قول الله تعالى في سورة [الأعراف آية ١٥٤] {خُذُوا زِيَْنتَكُم عِنْدَ كلِّ مَسْجِد}، وقوله تعالى في سورة [الضحى آية ١١] {وأمّا بِنِعْمَةِ ربِّك فَحَدّث} صدق الله العلي العظيم، وقد ورد عن رسول الله محمد (ص) حيث قال: "النظافة من الإيمان"، ومفهوم النظافة هنا أشمل من مفهوم الأناقة، لأنه لا يمكن أن يكون إنسان يهتم بالنظافة دون الاهتمام بأناقته، فالنظافة تعبير أوسع وأشمل من لفظ أناقة.
بل إن الإسلام اهتم لهذا الجانب المعنوي غاية الاهتمام وبأدق التفاصيل، حيث وضعه من ضمن الأسس الفقهية التشريعية في الإسلام حيث خصص له بابا كاملا أسماه باب الطهارة، يفصل فيه أحكامًا شرعية عن الطهارة في الجسد والملبس والمكان الذي يتواجد فيه، بل حتى في مأكله ومشربه، وإن تعمقنا في مفهوم هذه المسائل الشرعية الخاصة بالاهتمام بهذا الجانب لوجد أنها أعمق تركيزًا حتى من مفهومنا بما يخص مفهوم الأناقة الشكلية المتعارف عليها حيث تبرز وتهيئ الفرد المسلم بأن يكون في تجلي إنسانيته من كل شائبة، كذلك أيضًا اهتم الفقه الإسلامي بالأناقة الفكرية ووضع لها منهجًا كاملًا باسم الأخلاق، وهذا المنهج التربوي الأخلاقي عبارة عن دورة كاملة في كيفية التعامل مع الآخر لفظًا وسلوكًا، وفيها يتعلم الإنسان المسلم أدق التفاصيل الأخلاقية الإنسانية في التعامل مع الآخر، سواء كان مسلمًا أو غير ذلك، بل أوجب تعلم الأخلاق قبل تعلم العلم.
البعض يرمز لمفهوم الأناقة الشكلية بأنها خاصة بالنساء فقط، باعتبارهن الجنس الذي يعبر عن عنصر الأنوثة الناعمة والجميلة، وأن نعومتهن وأنوثتهن لا تستمر وتبقى إلا عبر اهتمامهن بأناقتهن الدائمة، وكذلك يفرض عليهن التحلي بالأناقة الفكرية، لكي تكتمل لديهم الصورة، وتصبح الأناقة قد أخذت مجراها الطبيعي، وبهذا المعنى تتوقف الأناقة بشقيها لديهن دون سواهن.
هذا المفهوم مغلوط عقلًا ومنطقًا ودينًا، وهي ثقافة مرفوضة شكلًا ومضمونًا بل هي ثقافة الأنانية، حيث إن الأناقة تعبر عن الارتياح البصري والنفسي لكل إنسان، فالمرأة إنسان والرجل إنسان وكلاهما يحملان نفس الشعور والإحساس اتجاه الأناقة، فلو فرضنا أن هناك طرفًا أنيقًا والآخر غير ذلك، فهذا يخل بقاعدة التكامل والتوازن، فلا يمكن أن يكون الطرفان سعيدين، وهنا تصبح الأنانية الذاتية هي سيدة الموقف غير محمود مستقبلًا.
هناك بعض ميسوري الحال ماديًا، ولكنهم يفتقرون لثقافة مفهوم الأناقة، فتجدهم غير مهتمين بأشكالهم ولا بأجسادهم ولا بهندامهم، حتى بأبسط الأمور وهي أحذيتهم، فتجدها قد بليت بلاء حسنًا، وهم ما زالوا يصرون على استخدامها دون المبالاة حتى في مراعات صحة أقدامهم، فضلًا عن أنها أصبحت تعبر عن مظهرهم السيئ، حتى لو فرضنا هذا النموذج أنهم يتمتعون بشيء من الأناقة الفكرية، إلا أنهم يفتقرون إلى الثقافة التكاملية التوازنية المنطقية العقلية، بل تعبر عن ثقافة ناقصة، لا تتوافق مع مفهوم الأناقة الشاملة.
ولو فرضنا أن هناك شخصا آخر له اهتمام رائع بأناقته الظاهرية، وقد يكون من أصحاب الماركات العالمية في كل ما يخص مظهره الخارجي، ولكن أناقته الفكرية فارغة، فهذا كذلك يمثل الثقافة الناقصة عن مفهوم الأناقة الثقافية التكاملية، وقد يصبح الشخص في هذه الحالة أرخص من كل ما يملكه ويلبسه.
إذن ليس هناك تفاضل بين المفهومين المعبرين عن الأناقة، سواء كان في المظهر الخارجي أو في الفكر، بل كلاهما يكملان بعضهما البعض، وينبغي الاهتمام بالقدر الممكن بهما، فما تراه واجبًا على النساء من مطلب يعبر عن أناقتهن شكلًا وفكرًا، هو كذلك واجب على الرجال تمامًا وعلى نفس المقدار والمستوى، وكل حسب ما ترمز له وتليق به من أناقة في الشكل والمضمون والفكر.
فلا ينبغي علينا أن نكون جميلي المظهر ونحن قبيحو المخبر، بل ينبغي أولًا الاهتمام بتحسين أناقتنا الفكرية من كل الشوائب السلبية، ومن ثم الاهتمام بأناقة مظهرنا العام، فهما أمران على نفس القدر من الأهمية ولا غنى عنهما، وهما جاذبتان للعين والقلب.