من القطيف.. الخنيزي تتحدى ضعف قراءتها وصفعة مديرتها وسخرية معلمتها بـ«هنالك وقت..»

ليست مجرد تجربة تأليف أو طباعة كتاب باسمها، إنها تجربة إثبات للنفس قبل الآخرين أن من يرغب في النجاح سيصل إليه، وأن التعثر في أول المشوار لا يعني عدم القدرة على مواصلة المشي بل والهرولة نحو الهدف، فبعد أن كانت طفلة لا يمكنها أن تتخطى النهاية الصغرى للنجاح في مادة القراءة "المطالعة سابقًا"، ها هي اليوم بعد 27 عامًا تستعد لتوقيع إصدارها الأول.
هنالك وقت..
أصدرت المؤلفة عقيلة الخنيزي كتابها الأول "هنالك وقت للحب"، بعد 3 سنوات من البحث، حيث اختزلت تلك السنوات في 285 صفحة، نفت فيها أن يكون الوقت قد تأخر على التغيير واستعادة الحب.
تقول: "الكتاب يقول ما زال هناك وقت، ليس لأحد أن يقول إن الوقت انتهى، فما زال هناك أمل أن تتغير الحياة ويرجع الحب وبإمكاننا أن نستعيده ونحب أنفسنا وغيرنا"، مضيفةً: "الكتاب يتحدث عن العلاقات الزوجية، وتأثير الطعام على الشخصية وتأثير البرمجات السابقة منذ الطفولة في العلاقة الزوجية وطرق اختيار الشريك".
بداية القصة مستحيلة
تعتبر عقيلة تجربتها في الكتابة "شبه مستحيلة" - حسب وصفها - فهي كما تحكي عاشت ذكريات طفلة لأم "أمية" وأب لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، فلم يكن حولها من يتابع معها دروسها، كما أن كبر حجم العائلة المكونة من 21 فردًا والضغوط المادية التي كانت تكهل ظهر والدها، لم يتسنَ لها الحصول على تعليم خصوصي أو الالتحاق بالمرحلة التمهيدية في الروضة.
تجربة صعبة
تسترجع "الخنيزي" ذكرياتها مع الدراسة لـ«القطيف اليوم»: "تجربة المدرسة كانت صعبة جدًا بالنسبة لي، أتذكر أول يوم دراسي لي كنت في عمر لا يتجاوز خمس سنوات ونصف، وقتها كانت أمي سيدة خجولة من الذهاب إلى الأماكن التعليمية، فعدم تعليمها كان يصيبها بالخوف من أن تضعنا موضع الحرج أمام المجتمع".
تتابع رحلتها مع تلك الذكريات: "أتذكر صعوبة أول يوم دراسي، حيث كانت أختي الكبرى في الصف الرابع وأنا في الصف الأول، وقد وصلنا متأخرتين للمدرسة لبعدها عن المنزل ولا نملك أي مواصلات تنقلنا للمدرسة، يومها حصلت على أول صفعة من الحياة وأنا في عمر الزهور، من مديرة المدرسة التي وجدت أن تأخرنا لا مبرر له، تمالكت نفسي كثيرًا فلا أريد البكاء أو أن أشعر الآخرين بضعفي، تأثرت كثيرًا ولم أكن أخبر أمي بما كان يحصل معي أبدًا خوفًا من إحراجها".
جيد
انتهى العام الدراسي الأول لعقيلة بصعوبة، وقد حصلت حينها على تقدير "جيد"، وقد شعرت يومها بالخجل حين كانت تقارن نفسها بأقرانها في العائلة.
لا تخجل "الخنيزي" وهي تتحدث عن الصعوبات التي واجهتها في دراستها، تقول: "ما لا يعلمه الكثيرون أنني وصلت للصف السادس وأنا أعاني ضعفًا شديدًا في القراءة والإملاء، أتذكر وأنا في الصف الرابع الابتدائي كنت أحلم كثيرًا بالظهور في الإذاعة المدرسية ولأنني ضعيفة في القراءة لم تكن لي أفضلية في الحصول على هذه الفرصة مطلقًا، ومن بين تلك الذكريات أيضًا ذات يوم كانت المدرسة ستحتفل بيوم المعلم وكان يسمح للجميع بالمشاركة، وقد قررتُ حينها أن أكتب قصيدة علني أحصل على فرصة لظهوري في الإذاعة المدرسية، إلا أنني اصطدمت برد المرشدة الطلابية فقد أوقفتني ونظرت لي بسخرية واحتقار ثم أخبرتني أن القصيدة سيئة جدًا وأن صوتي أيضًا سيئ، وقد حطمت هذه الحادثة ثقتي بنفسي أكثر وأكثر في الابتدائية".
بلا ثقة
افتقرت "الخنيزي" لثقتها بالنفس، فلم تكن تملك الجرأة للحديث أمام الآخرين، أو رفع صوتها في الفصل، مرت السنوات الدراسية وكثيرًا ما كانت تطرق مسامعها عبارة "اسمك عقيلة لكنك لا تملكين من العقل شيئًا"، تقول: "لا أخفيكم مدى الألم الذي كنت أشعر به حين أتلقى صفعات من الكتاب على رأسي أمام الطالبات، ورغم كل ما كنت أعانيه من الضغوط بقيت أتظاهر بالقوة والعناد والشراسة أحيانًا في المرحلة الابتدائية، أما المراحل التي تليها كانت مليئة بالبحث عن الهدوء، فكانت ابتسامتي لا تفارقني".
رحلة التغيير
مرت سنوات الابتدائية وعقيلة ما زالت مكتوفة بحبال انعدام الثقة، وفي المتوسطة قررت أن تقطع تلك الحبال وتبدأ رحلة التغيير، قررت أن تواجه ترددها وعدم ثقتها بنفسها، وتقدمت للمشاركة في الإذاعة المدرسية وتفاجأت بالنتيجة التي كانت مختلفة تمامًا، حيث قبل صوتها كصوت مميز، بل الأكثر من ذلك أنها كانت تحظى باهتمام معلمة اللغة العربية حينها، وبدأت تبدي إعجابها بقدرتها على الكتابة في مادة التعبير.
أحبت عقيلة مادة التعبير وحاولت أن تظهر إبداعها فيها، فلم تكن تحصل على درجة أقل من 14 من 15، ووجدت في معلمتها "خديجة المفتاح" سندًا لها، فكانت المعلمة المميزة لديها.
تقول: "استعضت بشغف الكتابة للتعبير عن مشاعري عوضًا عن القوة أو الدخول بحروب، كما أتذكر حينها أنني بدأت أيضًا أهتم باكتشاف الشخصيات، كان ذلك من قصاصات ورقية تباع في المكتبة تفسير شخصيات "الأبراج الفلكية"، ومنها أخذت في البحث المتعمق في شخصيات الأبراج ومحاولة اكتشافها، وحاولت أن أطبق ما أقرأه على أرض الواقع، حتى أصبحت اكتشف أبراج الآخرين من صفاتهم".
وتضيف: "حينها أيضًا كنت أحتفظ بمذكرة صغيرة أكتب فيها خواطري وأشعاري كتبت فيها "الدكتورة النفسية عقيلة الخنيزي"، فقد كنت أحلم أن أصبح عالمة نفس حينها إلا أن الواقع كان مختلفًا، فقد مرت السنوات وأكملت حينها الدراسة في معهد الإدارة العامة فهو المكان الوحيد المطلوب بعد التخرج من قبل الشركات والبنوك وغيرها في ذلك الوقت".
تغيير المسار
أكملت "الخنيزي" دراستها وحاولت أن تبحث عن وظيفة، تقول: "كنت أطمح للعمل فأبي لم يكن على قدر من الثراء، إلا أنني بعد التخرج بدأت رحلة التطور والتعليم الحقيقي وتغيير المسار، فقد زاد شغفي بقراءة الكتب المختصة بالشخصيات والعلاقات وتفسيرها ولم أترك الكتابة قط فقد أصبحت شغفي الآخر".
تتابع: "بعدها جاءني نصيبي وتزوجت، وكنت حينها أعمل وأكمل دراستي الجامعية، حتى تخرجت وحصلت على مرتبة الشرف الثانية، ثم أنجبت ابنتي الأولى، كل ذلك كان تحديًا بالنسبة لي في وقت قياسي، كنت حينها أمارس هوايتي في كتابة المقالات بـ(اللينكد إن)".
وتضيف: "ولأني شغوفة بالتعلم والقراءة فكرت كثيرًا في نقل كنز هذه المعارف عن طريق الدورات التدريبية، وفعلًا عندما تغلق الرياح بابًا فإن أبوابًا أخرى تفتح لك، فقد تقدمت لدراسة دورة في التدريب".
مفاجأة الدورة
تذكر عقيلة أنها خلال التحاقها بالدورة صادفت مفاجأة هناك، حيث التقت بمعلمتها في الصف الثاني ابتدائي "فوزية الدهان"، تقول: "كانت مربيتي وصديقتي وأختي، لم ألتقها منذ زمن طويل، شعرت يومها بالسعادة فقد كانت أول الداعمين والمحفزين لي على الكتابة والبحث، وعلاقتي معها لم تكن مجرد علاقة طالبة مع معلمتها بل كانت أكثر بكثير، كانت تشبه علاقة أم بابنتها".
وتمضي في حديثها: "اكتشفت حينها شغفنا بطرح الأسئلة الغريبة ومحاولة تفسيرها واستنتاج ما يحدث من مجريات في العلاقات النفسية والروحانية وكيفية تأثير ذلك على الطبيعة البشرية، فقمت بشراء الكثير من الكتب باللغة الإنجليزية لاستكشاف تجربة الغرب وبعض الحضارات المختلفة كالصينية والروسية واليونانية في العلاقات الزوجية وربطها بالدين الإسلامي لإثبات حقيقتها".
استشارات نفسية
تقول: "تعلمت الكثير من المهارات العلمية والعملية وهذا ما دفعني لدراسة الاستشارات النفسية والتعديل السلوكي والحصول على عضوية الاعتماد في ذلك من المؤسسة الدولية لمحترفي الكوتشنج والاستشارات "بريطانيا"، كما حصلت على عضوية التدريب في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني إضافة لدراستي لتقنيات البرمجة اللغوية العصبية واختبارات ومقاييس تعديل السلوك".
وتضيف: "بدأت في مساعدة الكثير من الأشخاص في تعديل مسار حياتهم الزوجية وإعادة برمجة الترسبات القديمة منذ الطفولة، كما طرحت منشورات توعوية في حسابي على برنامج إنستجرام، ولله الحمد تصلني الكثير من رسائل الشكر والامتنان وهذا يكفي حقًا، فالبنسبة لي تغيير إنسان يعني تغيير عائلة، وتغيير عائلة يعني تغيير مجتمع، وهذا ما أطمح له فعلًا".
بداية الكتاب ونهايته
تبين "الخنيزي" أنها منذ مطلع عام 2017م وهي منكبة على بحوثها الخاصة من أجل تقديم عمل مميز يليق بمنطقة القطيف، ويعطي طابعًا مختلفًا لتغيير مسار العلاقات الأسرية والزوجية.
تحكي: "خلال كل تلك الأعوام كنت أعيش شبه عزلة، كنت أفضل المكوث بالمنزل في عطلات الأسبوع من أجل البحث والكتابة واستغلال الوقت في المفيد ولم يعلم أحد، باعتكافي على كتابة الكتاب، كنت أستقي من كل حوار مع الآخرين فكرة، والفكرة تتحول لسؤال غريب تليها رحلة بحث مستمرة، وبعض الأسئلة أطرحها على معارفي ولا أجد أي إجابة وكأنها كانت أسئلة شبة مستحيلة الإجابة أو صعبه أو تحتاج للبحث العميق في المصادر الحقيقية لها، والتي لا تكون غالبًا متوفرة على الإنترنت، أو متوفرة بلغة غير العربية والإنجليزية فيصعب الحصول عليها، كما أن بعض الكتب لا تباع على الإنترنت لأنها قديمة وهذه كارثة بالنسبة لي".
وتضيف: "رغم ذلك لم أستسلم في بحثي، حتى وصلت للجواب الذي يرضيني - ولله الحمد - وبالطبع لدي استنتاجاتي الخاصة وأفكاري التي أضفتها في الكتاب وهي قد تكون فريدة من نوعها، فقد حرصت على وضع اختبارات نفسية عملية تطبيقية وتمارين من أجل إعادة الانسجام للعلاقة الزوجية، فأنا أرى الكثير من التراكمات النفسية التي أدت إلى طلاقات عاطفية وهجران دام لسنوات دون طلاق فعلي قانوني، وهذه كارثة مجتمعية تخلق أطفالًا مصابين بالكثير من المخاوف النفسية المدمرة، وفي اعتقادي أن من حق الأطفال العيش في بيئة منزلية مليئة بتعابير الحب بين الأبوين، مليئة بكلمات الشكر والاحتضان والتشجيع وهذا هو سر الشعور بالأمان والحب وهو سر قوة الطفل في التعبير عن مشاعره ورغباته الأسرية والاجتماعية".
وتوضح: "هذا ما دفعني لعنونة كتابي باسم "هنالك وقت للحب"، فهما طال الزمن يبقى الحب صانع المعجزات ويغير مجريات الأحداث، والحديث هو بداية العلاج وحل المشكلة بخلاف الكتمان الذي يولد الكثير من الأمراض النفسية والتي تنعكس على الجسد وتدمر مناعة الإنسان ورغبته في الحياة".
شكرًا لشركاء النجاح
تختم عقيلة حديثها بتقديم الشكر لكل من كان سندًا لها في مشوار نجاحها، تقول: "أتقدم بالشكر الجزيل والعميق لزوجي وحبيبي وسندي في التغيير العاطفي والفكري، كما أشكر الصديقة والأخت "زينب آل هزيم"، فقد أهدتني كتابًا ورغم أنها هدية بسيطة إلا أنها قدمت لي الكثير وغيرت الكثير من المفاهيم في حياتي، كما أخص بالشكر زملاء العمل على دعمهم المستمر لي خلال فترة كتابة الكتاب وحتى إخراجه بأجمل صورة: الزميلان محمد آل ثاني ومؤيد المحسن، ولا أنسى حبيبتي ومعلمتي وشريكة التغيير معلمتي الغالية فوزية الدهان".




