الطبيب المعلم

بينما كنت أنتظر دوري في الدخول على الطبيب باغتني أحد المرضى الجالسين بجانبي بهجوم لاذع على الأطباء!
بدأ حديثه بأن قال إن الطبيب يسأل المريض أسئلة محددة مقتضبة ولا يطيل الكلام معه وإذا استغرق من الوقت أكثر من عشر دقائق فالمريض يكون محظوظاً. إذ أن الطبيب دائماً ينظر للمريض من برج عاجي وكأن الذي أمامه إنسان جاهل لا يفقه شيئاً.
وتابع قائلاً: إنه يجب على المريض أن ينقاد لكل ما يفعله الطبيب، ولا يحق للمريض أن يتكلم أو يبدي رأيه.
استمر في الحديث وأنا أستمع له باندهاش، تابع وقال بأن الأطباء يتكلمون من أطراف ألسنتهم وكأن مهنتهم هي التكبر على الآخرين. ثم قال: لا أعمم طبعاً، لكن التجارب تثبت ذلك. فالأعم الأغلب هم من هؤلاء.
وأردف قائلاً: هل هذا التصرف هو جزء من عقيدتهم التعليمية؟ أو هو تصرف شخصي؟ أو أن نظرة المجتمع لهم هي من ألّهتهم وأعطتهم أكثر من حقهم؟
لا يزال يتابع الحديث حيث قال: لا أحد ينكر أن مهنة الطب هي من أقدس المهن وأهمها، لكن هذا لا يعطي الحق للأطباء بالتعالي على الآخرين. فكم من مريض هو أعلى درجة وشهادة علمية من طبيبه المعالج، لكن حاجته للعلاج، وليست حاجته للطبيب نفسه، هي التي دفعته لزيارة ذلك الطبيب!
ثم وجه سؤالاً لجميع من كان حاضراً في غرفة الانتظار قائلاً: هل قمتم مرة بزيارة طبيب ما وبعدها قلتم لو أننا لم نأت لزيارة هذا الطبيب لكان أفضل! ماذا استفدنا؟ لقد قطعنا كل هذه المسافة ولكن دون أية فائدة! هل حصل لكم ذلك؟
كان الكل يستمع لكلامه باستغراب ولا أحد ينبس ببنت شفة! فلقد كان هذا المراجع يتكلم بامتعاض شديد وتبدو عليه علامات الغضب وعدم الرضا عن الأطباء.
هنا انتهى حديثه حيث جاء دوره للدخول على الطبيب. بدأت أفكر في كلامه، ولا أنكر أني تعاطفت معه وتذكرت كثيراً من المواقف مع الأطباء والتي كانت تصرفات بعضهم مصداقاً لكلامه.
جاء دوري للدخول على الطبيب، ولكني كنت مرافقاً لابنتي حيث كانت هي المريضة والطبيب هو طبيب أسنان.
استقبلنا الطبيب، على غير عادة ما ذكر صاحبنا، بابتسامة عريضة وترحيب وسلام منقطع النظير. بدأ الحديث بالتعريف بنفسه ومهنته بكل أدب واحترام وتواضع. ثم أجلس ابنتي على كرسي المعالجة وبدأ في تطبيب أسنانها. ثم بعد الإذن منا بدأ يطرح علينا بعض الأسئلة المتعلقة بصحة الأسنان والعناية بها بشكل عام. أخذنا نجيب عن الأسئلة بما تيسر لنا من معلومات، وكان هو يضيف على إجاباتنا ويشرح لنا أشياء كثيرة لم نكن نعرفها من قبل ومما خفي عنا. أحسسنا وكأننا في غرفة محاضرات نتلقى الكثير من المعلومات الجديدة والمفيدة بشكل نظري وعملي من محاضر بارع.
أخذت هنا أقارن بين هذا الطبيب وذاك الذي كان يصفه صاحبنا. قلت في نفسي بأن كليهما طبيب ودرسا في كلية الطب ولابد أنهما تلقيا نفس الدروس التي تحثهما على معاملة المريض باحترام وتبين لهما حقوق المريض على الطبيب. ولكن بالرغم من ذلك هنالك بون شاسع بين الطبيب في المثال الذي ذكره صاحبنا والطبيب الذي زرناه، يا ترى ما هو السبب؟ لاشك ولاريب أن الإخلاص في العمل والتفاني في تقديم خدمة أفضل والإحساس بالمسؤولية والخوف من الله ربما تكون من أقوى الدوافع التي تحث الطبيب، أو أي أحد، على القيام بعمله بصورة مثالية ترضي ضميره أولاً وترضي العميل أو الزبون، أو المريض في هذه الحالة ثانياً.
انتهت هنا حصتنا من الوقت في مقابلة هذا الطبيب. لم يكتف بتوديعنا، بل طلب منا المعذرة إن كان قد أزعجنا بكمية المعلومات التي نقلها لنا وقال بأن هذا ديدنه دائماً، إذ أنه لا يقوم فقط بمعالجة مريضه، بل يحرص أيضاً على تثقيفه بالمعلومات الخاصة بمرضه وتزويده بالأدوات المعرفية للعناية بهذا المرض وتجنب آثاره المستقبلية.
خرجنا من غرفة الطبيب ونحن ممتنون له لكل ما قدم لنا من خدمات علاجية ومعرفية، تملؤنا الغبطة والسعادة بأن قابلنا هذا الطبيب، وتمنينا لو أن الوقت يطول بنا معه لنستقي من عذب علمه وخلقه أكثر وأكثر.
ونحن نهم بالخروج من العيادة، وإذا بصاحبنا يخرج من غرفة طبيبه أيضاً مكفهر الوجه، تبدو عليه علامات الغضب وقد أغلق الباب بأقصى قوته قبل أن يغادر. هنا أحسست أن صاحبنا ربما كان على حق، حيث يوجد من الأطباء من تسعد وتستفيد بلقائه، ومنهم غير ذلك. هنا أطلقت لقب "الطبيب المعلم" على طبيبنا، فهو بحق ليس طبيباً فقط، بل معلماً أيضاً.
أتمنى من كل الأطباء، الذين ذكرهم صاحبنا، أن يحذوا حذو هذا الطبيب المعلم بأن يزكّوا عملهم وأن يكونوا مصداقاً للحديث الشريف المروي عن رسول الله (ص) حيث قال: "زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه"، وعن الإمام عليّ (ع): "زكاة العلم بذله لمستحقه"، وعن الإمام جعفر الصادق (ع): "لكلّ شيء زكاة وزكاة العلم أن يعلّمه أهله".
لا يفوتني أن أذكر لكم أن هذا الطبيب المعلم هو الدكتور علي آل علوي، الطبيب بعيادة الأسنان في أحد أكبر المستشفيات بالمنطقة الشرقية. شكراً لك أيها الطبيب المعلم.



