أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المتسامحون

جهاد الهاشم · القطيف اليومالأربعاء 18 نوفمبر 2020، 3:48 م
المتسامحون

إن للتسامح آثاراً عظيمة وكبيرة على الفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، فهو ذو أثر مثمر ثمراً طيباً للغاية، فكلما كان الأشخاص متسامحين برز المجتمع قوياً متماسكاً مزدهراً نظيفاً وخالياً من الأحقاد والضغائن والكراهية، وأنه يكسب رضا الله سبحانه وتعالى لا شك ويشعر صاحبه بالراحة والسكينة ويدفع المسيء لتجنب الإساءة في حياته لما رآه من صفح وعفو عند الإقدام على أخطائه ومشاكساته التي لا تمت للعقلانية بصلة.
قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. سورة آل عمران الآية {٣}.
ومن المعروف أن التسامح خلق سام يرتقي بالذات البشرية إلى سمو الرفعة وعالي الدرجات، ويشمل كذلك العفو والصفح والحلم ولين الجانب ونبذ البغض والحقد والحسد، فهو المكون الأساس لبناء علاقات طيبة بين الناس بعضهم ببعض، وأحد العوامل المهمة للاندماج والتراحم المجتمعي وهو لا يتعلق بجانب دون آخر ولا بالشخص وحده، بل يتجاوز ذلك بكثير ليشمل جوانب حياتنا اليومية بجميع تفاصيلها، ناهيك عن كل ما يتعلق بالفرد والجماعة على حد سواء.
وللتسامح عدة أوجه يترتب عليها عدة أمور إيجابية، ومنها التسامح في علاقات الأفراد فيما بينهم وفي حياتهم بشكل عام، كتسامح الأب تجاه أبنائه فيما يصدر منهم من أخطاء، وكذلك تسامح الزوجين لما يحدث بينهما من مواقف ومشاجرات وأيضاً تسامح الجار مع جيرانه والكبير تجاه الصغير وتسامح رب العمل مع مرؤوسيه بالتخفيف عليهم والتجاوز عن هفواتهم بما لا يتعارض ومصلحة العمل وكذلك المعلم مع طلابه ومعاملتهم بروح الأبوة والمسؤولية العالية، وقس على ذلك جميع المعاملات التي تحدث داخل إطار واقعنا المعاش.
والتسامح يستخدم في عدة مواضع منها الاجتماعية والثقافيّة والدينيّة، والقصد منها الوصول لنتائج أكثر هدوءاً واحتراماً، وهناك ارتباط عميق بين التسامح والحوار الإيجابي، فبالحوار البناء يتحقق الارتقاء الفكري وتنمو القيم الأخلاقية بين الأشخاص والتعاون فيما بينهم، إذ لا تقتصر الفائدة والحاجة للحوار على إنهاء الخلافات والنزاعات فقط.
كما لا تقتصر على مستوى المجتمعات بل تتعدى المنفعة لتصل لمستوى الأمم والشعوب قاطبة، وبالتالي مقابلة السيئة بالحسنة مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. سورة فصلت الآية { ٣٤ }.
وبهذا تقوى روابط المحبة ويعمّ الاستقرار وتختفي العداوات وينتشر العدل وتعم الطمأنينة قلوب النّاس وعلى نقيض التسامح تتفشى العداوة والبغضاء والتنافر وآثار ذلك وخيمة جداً على الفرد والمجتمع بأسره، بل هي بذور الانهيار الحقيقي الذي يفتك بالأمن واللحمة المجتمعية.
وعليه فإن الأخلاق الإنسانية الفاضلة والتي من خلالها ينتج التسامح والتآلف والتواد وكل ما سبق هو الضامن لاستقرار الأمم والشعوب، ونهضة ورقي المجتمعات، وهو لا شك عنوان أصيل في هويتها وسبب نهضتها وعزتها واستقرارها.
ويجب أن نعلم أن هذه الحياة أقصر بكثير من أن نقضيها في رصد الأخطاء والسلبيات التي يقدم عليها غيرنا في حقنا أو في تغذية روح العداء والكراهية بين الناس، فالتسامح هو الحب والهدوء والسعادة الحقيقية فلا نرهق أنفسنا ونضيع وقتنا بتوافه الأمور والتي لا نجني منها إلا الخيبات والأمراض وعدم الاستقرار وتحملنا ما لا طاقة لنا به، فلنعش ولنخلق لحياتنا حياة هادئة سعيدة ملؤها الدفء والتمازج وبعيدة عن كل ما هو سلبي وما يعكر لحظات الفرح التي إن ذهبت فإنها لن تعود أبداً بل وستذهب معها صحتنا من غير عودة، لذا فلندرك ما تبقى لنا من باقية.
وفي علم النفس تشير الدراسات إلى أن زيادة التوتر وانخفاض مستويات التسامح تعرض الإنسان لمتاعب صحية وبدنية ومعنوية، بالمقابل فإن تطوير أسلوب التسامح بين الأفراد يساعد في تقليل التوتر والاضطرابات النفسية بشكل كبير، وبالتالي سنظفر بمجتمع حياته مرضية جميلة هانئة بإذن الله.