الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المُعَلم

فاطمة القروص · القطيف اليومالأحد 22 نوفمبر 2020، 6:33 م
المُعَلم

"المْعَلم" أو الكتَّاب (الكتاتيب) حلقة تعليم القرآن، وتكون الحلقة في فناء المنزل ومعدة بكراسي صغيرة بسيطة من الخشب أو جلسة مصنوعة من خوص النخيل وتسمى "قاعودة"، والتي اشتهرت بصنعها النساء في جزيرة تاروت.
"شغف التعليم"
وقد حرص الأهالي قديماً على تحفيظ أبنائهم القرآن الكريم ولشدة محبتهم للتعليم وعدم وجود مدارس حينها، ورغم قلة الدخل إلا أن ذلك لم يمنعهم من تسجيل أبنائهم وبناتهم لدى معَلم أو معلْمة من مختلف طبقات المجتمع، وخاصة بالنسبة للفتيات، فاقتصر تعليمهن على إجادة القراءة وحفظ القرآن، ولذلك فقد كان تعليمهن في المعلم رائجاً ومحبباً وأيضاً لرغبة الأهالي في أن يصبحن بناتهن معلمات للقرآن لما له من أجر عند الله، أو قارئات حسينيات لشهرتهن في ذلك الوقت واحترامهن الشديد من المجتمع، حيث تقرأن العادات (العزايا اليومية أو الأسبوعية) ومناسبات أهل البيت من وفيات وموالد، وأفراح الزواجات، والفواتح ،ويتقاضين أجراً مجزياً، وكان المثل الشائع "الحسين سلام الله عليه غني ويغني".
"مراحل التعليم"
والتعليم ليس بالسهل بالنسبة للمعلمة، حيث تبدأ من تهجئة الحروف وتعليم مخارجها (ألف لا شيء له والباء نقطة من تحت والتاء نقطتان من فوق... إلخ) ثم تحفيظها بعلامات التشكيل المعروفة، ثم الانتقال الى جمع الحروف في كلمة واحدة (أبجد هوز كلمن... )، وأخيراً الانتقال إلى مرحلة القراءة (السريد)، وفيها تكون فرحة الأهل لا توصف، فبوصول الطفل إلى هذه المرحلة يكون قد تعدى مرحلة الهجاء.
ومن الأطفال المتعلمين من ينجح ومنهم من يخفق، ومنهم من يستمر لسنوات طوال، ولكن ما يستحق الذكر والإعجاب هو إصرار الأهل على تعليم بناتهم مهما تعثرن، فيبذلون قصارى الجهود والصبر حتى مع وصولهن إلى سن الزواج.
"طريقة التسجيل والدفع"
يُأتى بالطفل أو الطفلة غالباً في سن مبكرة جداً وقد لا يتجاوز السادسة لمعرفة أن العلم في الصغر يأتي بثمار أفضل من الكبر (العلم في الصغرِ.. كالنقش في الحجر).
ويتم التسجيل بطقوس خاصة ووسط فرحة عامرة للوالدين، فالطفل الصغير قد كبر وبلغ سن التعليم!
كان يسبق الطفل إلى باب المعلم المثل المتوارث "جبناه لحم أعطينا إياه عظم"، والقصد ليس التقليل من شأن الطفل أو الطفلة، بل كانت عبارة ملئها الثقة والتسليم التام بالمعلمة وجهودها "سلمناها لكِ وتولي تعليمها وتهذيبها" بما فيه الصلاة والطبخ بمهارة والتنظيف المنزلي.
ويكون التعليم على فترتين من السابعة صباحاً إلى وقت أذان الظهر، أما الفترة الثانية فهي تبدأ من الثانية ظهراً وحتى أذان المغرب، وغالباً يقضين وقت الضحى في بيت المعلمة ويتناولن وجبة الغداء وتسمى "بيوتة"، وهي وجبة مكونة من أرز وسمك مملح ومجفف وأحياناً سمكاً مشويا، كما أن جيوبهن لا تخلو من مصروفهن اليومي.
ويتم الاتفاق على أجور التعليم على دفعات كالتالي:
جزء عمَّ: يتم دفعه بالكامل عند ختمه كاملاً أو مجزءاً، أما باقي القرآن فلربعه دفعة ولنصفه دفعة وآخر سورة المائدة لها دفعة أخرى وختم القرآن له دفعة أخيرة، وهذا الحال بالنسبة للمقتدرين مادياً، أما غير المقتدرين فيدفع أجر جزء عم، أما الباقي باقي الأجر فهو "قطوعة" على المهر، وهي طريقة لدفع أجر المعلمة من مهر البنت عند زواجها.
وبعد حفظ القرآن، تتولى المعلمة شرح كتيبي "سيرة النبي صلى الله عليه وآله" و"الفخري"، وهو كتيب يحوي سير أهل البيت وفضائلهم مع قصائد رثائية وتعليمهن طريقة إلقائها، في حال رغبة الأهل في تعليم البنت القراءة الحسينية.
مناسبات أتت عليها الحضارة واندثرت
المناسبات التي يتم فيها الاحتفال فيها في المْعَلم
( 9 ربيع الأول) وهو يوم تتويج المهدي، حيث يتم الاحتفال بإعداد بعض الحلويات قديماً مثل العصيد والشعرية (السيوية) وغيرها.
(29 جماد ثانٍ) ويسمى الإشراك، جاءت هذه التسمية لمشاركة الأهالي بتقديم مؤن الطبخ مثل الأرز والبهار والسكر والملح والزيت، ويعد بتعاون البنات الكبيرات والمعلمة، ويؤكل وسط احتفال بهيج وفرحة غامرة من المشاركات، ثم الذهاب إلى المساجد للصلاة.
وأيضاً يوم الأربعاء من كُل أسبوع، وهو من أجمل الأيام وله طقوس خاصة، منها إحضار مبلغ من المال عبارة عن نصف أو ريال وبيضة، وفيه التعليم قليل والخروج باكر وإنشاد قصيدة مشهورة مع المعلمة وبعض مديح أهل البيت بفرح وسرور، وتتسابق كل البنات بترتيب ما يجلسن عليه وتنظيف ما يتركنه من بقايا طعام والأعمال المنزلية لبيت المعلمة بكل حب وطواعية ذاتية ونوعاً من رد الجميل لمعلمتهن لانشغالها طول الأسبوع معهن، ويودعن بعضهن ويخرجن باكراً.
قصيدة التمساية:
تمـسـى يــا معـلـم بالـسـعـادة وآمرنـا بأمـرك فــي الــرواحِ
بـدأنـا بالنـبـي أحـمــد مـحـمـد رسـول الله حـي علـى الفـلاحِ
وحـيـدرةٍ أبــي حـســنٍ عـلــي مبيد الشرك فـي يـوم الكفـاحِ
وفـاطـمـةٍ وابـنـيـهـا جـمـيـعـا هما السبطان أرباب الصـلاحِ
ومما تمتاز به الحلقة العلمية أن المْعَلم والمْعَلمة يتركان أثراً بالغاً من الاحترام والتقدير في حياتهما والذكرى الطيبة بعد مماتهما ممن تعلموا القرآن حتى لأبناء وبنات تلك المعلمة أو المعلم بمناداة (بنت معلمتي وولد معلمي) عرفاناً ووفاءً لهما، وهذا سر من أسرار القرآن الكريم لحافظيه ومعلميه.