بنات الثانوية

قد بلغتُ من العمرِ خمسين ونيفًا. بحسبةٍ بسيطةٍ أكونُ قد تركتُ أعتابَ دراستي الثانوية ما يقاربُ ثلاثةَ عقود. فترةٌ زمنيةٌ ليست ببسيطةٍ. أليس كذلك؟ لماذا ذكرتُ المرحلةَ الثانويةَ وليست المرحلةَ الجامعيةَ؟ المرحلةُ الثانويةُ آخرُ سنواتي المدرسيةِ قبل دخولي الجامعةَ. هذه المرحلة لها لذتُها ومذاقُها الخاص. حيث الشعورِ بأنني قد كبرتُ لأنني سانتقلُ إلى مرحلةٍ جديدةٍ ومختلفةٍ.
لا تزالُ أيامُ دراستي الثانويةِ عالقةً بذاكرتي. أتذكرُ زميلاتي بل معظمَ أفراد دفعتي - إن لم أقل كلها - بقلوبهن الطيبةِِ، ومعلماتي الرائعاتِ وشقاوتي البريئةِ. وأحنُ لتلك الأيامِ. أحسُ بنشوةٍ عارمةٍ حينما أتذكرُها. بيني وبين نفسي أتمنى رؤيةَ زميلاتي وطالبات دفعتي. أريدُ بكبسةِ زرٍ إعادة الماضي والاجتماع بهن. ولكن لا أعرفُ ما هي كبسة الزر هذه؟ قبل عامٍ مضى، ومع بداية يومي وروتيني المعتاد أمسكتُ بجوالي لأعرفَ ما الذي يجري حولي ولألقي تحيةً صباحيةً على إخواني وأخواتي وإذ بي أتفاجأُ بإضافتي لمجموعةٍ تحت مسمى القلوب الطيبة (بنات الثانوية). يا إلهي لقد تحققَ ما أتمناه وكُبِس الزرُ. لستُ أنا من كبسه وهذا ليس مهماً بالنسبة لي. المهم أنه كُبِس. لا أستطيعُ ترجمةَ مشاعري حينها كانت مشاعر مختلطةً ما بين الفرحةِ الغامرةِ وعدم الاستقرارِ والتصديقِ لما أرى. كبسةُ الزرِ هذه كان لها فعلُ السحرِ. أحقاً سألتقي مع زميلاتي وطالبات دفعتي؟ نعم نعم سالتقي بهن.
بدأت المجموعةُ تكبرُ وتكبرُ إلى أن اكتملَ نموها واحتوت جميعَ طالباتِ دفعتي بقسميه العلمي والأدبي. بدأت استعادةَ الذكرياتِ الجميلةِ وشحذَ الأذهانِ. يا إلهي ما زلتُ غيرَ مستوعبةٍ لما يحدث. أأنا أحلمُ أم أنا يقظةٌ؟ انتهينا من مرحلةِ الذكرياتِ وشحذِ الأذهانِ وبدأنا مرحلةَ اللقاءِ والاجتماعِ. الجميعُ في شوقٍ لهذا اللقاء. وفي حالةٍ من التأهبِ. بل إنه ينتظره على أحرِ من الجمرِ. وبفارغِ الصبرِ. حانَ وقتُ اللقاءِ المرتقبِ ويا له من لقاءٍ. لا أستطيعُ وصفه. يخرسُ لساني وتعجزُ كلماتي ويجفُ مدادُ قلمي عن التعبيرِ. كان لقاءً رائعاً. محفوراً في الذاكرةِ. جميعهن رائعات. رأيتهن كباقةِ وردٍ متباينةَ الأشكالِ والألوانِ. فكلِ واحدةٍ منهن لها لونُها الخاصُ ورائحتُها المميزةُ. ولكنهن يجتمعن في القلبِ الأبيضِ الذي لا يعرفُ الكرهَ ولا الحقدَ.
(القلبُ المليءُ بالحبِ) رغم مرور ثلاثة عقودٍ. أخواتي أحبكن جميعاً دون استثناء. شكراً من الأعماق لمن كبس الزر. شكراً للجميع شكراً ممزوجاً بالحب ومغلفاً بالنقاء.



