حين تهبك دلمون نفحة جمال

مع نسائم هذا الصباح البارد استقبلت من الأخ حسن الجيراني فيديو من تصويره بعنوان "البحرين فن ثقافة وجمال" ومدته الزمنية 4 دقائق و44 ثانيةً، فيديو أنعشني نفسيًا ودفأ القلب بالحنين، وكتبت معلقًا.
شكرًا لك يا عزيزي حسن على هذا التوثيق الرائعً، فيديو نبشته من أرشيفك الزاخر وأخرجته كمن يخرج كنزًا مخبأ بالأنس والألق ليكسر رتابة روتيننا اليومي، لقطاتك برقت ببهجة ضاوية ولمعة حب صافيةً، لينزاح عن كاهلنا غبار سنة مجدبةً، شاهدته للتو واسترجعت خمس سنوات خلت من أعمارنًا، عشنا يومًا رائعًا مكللًا بأمسية عذبةً، شكرًا يا حسن وأخوك سعيد، لقد تقاسمنا الفن نفحات حسن من جمال دلمون، نعم يا حسن لقد أرّخت لساعات حلوة ولحظات سعد جميلةً، تمازج فيها قوس قزح الفنون وترانيم الأنغام الراقيةً.. حيث كنا في لجة بحر دلمون، أخذنا رقصًا على طقوس أمواجه الساحرة نحو "آرت البحرين" في نسخته الأولىً، أو معرض آرت باب (فن البحرين عبر الحدود - 2016).
قضينا ساعات نجوب أروقة المعرض، تكحلت أعيننا بما لذ وطاب من عروض تشكيلية متنوعةً، تحدثنا كثيرًا مع كوكبة فنانين من جنسيات مختلفة بحرينيين وعرب وأجانب، وتعرفنا على كاليربهات عالمية ودار حديث ودي مع الفنان الكبير اللبناني المرحوم وجيه نحله والذي أهداني أحد كتيباته وبتوقيع من فرشاته المبدعة.
ثم عرجنا على مركز الفنون حيث عروض الفن المفاهيمي التي تطرح على المشاهد تساؤلات عما وراء إسقاطات الفكرة بحثًا عن المعنى.
وكان مسك الختام على مقاعد مسرح الثقافة في الحفلة الساهرةً، عشنا ليلة حلم مع وصلات تراثية بصوت المطربة التونسية (درصاف حمداني) ضمن فعاليات مهرجان البحرين الدولي للموسيقى، والتي شنفت أسماع الحضور ببعض من أغاني المطربة فيروز والفرنسية (باربرا) وكان عنوان الحفل (باربرا فيروز)، وعند منتصف الليلة غادرنا جزيرة دلمون، والبحر يرسل موجه تحية للعابرين سلامًا.
عشت معكم يا أبناء الجيراني سعيد وحسن أسعد اللحظات بأجواء ملؤها البهجة والفرح ومتعة الفرجةً.
وأقول:
يا زمن الوصل عود وجود علينا بالمسرات، فنحن عطاشى لكل ما هو جميل.
وما أن أرسلت الكلام أعلاه، للأخ حسن لحظات وإذا به يرسل تقريرًا مبسطًا كتبته عن تلك الزيارة، تفاجأت حين قرأته، لقد نسيته ولا أتذكره، غاب عن بالي وسط متاهة الانشغال وربقة النسيان، نشرته حينها في أحد قروباتنا التشكيلية ومع الوقت طوته الأيام نسيًا، أعيد نشره ثانية لتتجدد الذكرى نفحة حنين لطقوس دلمون الجميلةً، جاء العنوان: (ثلاثة × ثلاثة).
كنا على موعد فني مساء اليوم الثالث من بداية السنة الهجرية الجديدة لهذا العام - 1437 - ونحن ثلاثةً، (سعيد وحسن الجيراني وبينهما شلي)، ارتحلنا شطر جزيرة دلمون لنشاهد فعاليات ثلاثةً:
الأولى: المعرض المفاهيمي (إيقاع مجرد) والمقام على صالة مركز الفنونً، حيث شاهدنا طرحًا فلسفيًا لإشكالات الإنسان المعاصر بين حيرة الأنا والآخرً، وتقلبات الأمزجة عبر الزمنً، بعض الرسائل اشترك فيها التشكيلي مع الممثل المسرحي لإيصال الفكرة المبهمة إلى المتلقي، للوصول إلى فك طلاسم الحياة، شاشات العرض
تعيد المشهد مرارًا.
الثانية: زيارة (آرت البحرين) وهو سوق فني مفتوح لترويج الفن كسلعة تجاريةً، شأنه شأن معارض الكتاب، فكر وإبداع ومال يبذل في عملية الإنتاج والإنجازً، هذا التجمع الفني هو الأول على أرض البحرين، ولم أشاهد فعالية تشكيلية على مدى الـ30 سنة الماضية في هذا البلد، ويمثل هذا الحضور النوعي والكمي من الجمهور المحلي والأجنبي سابقة حضارية على أرض دلمون، تتوزع صالات عروض فنية متنوعةً، تتنافس لتقديم كل ما عندها من مخزون فني، حشد من الفنانين والفنانات، باعتراف بعض فناني البحرين الذين أبهرتهم كثافة الجمهور.
كنت أتمنى لو أتيحت لجميع أحبتنا من فناني وفنانات منطقتنا فرصة الحضور والمشاهدة، لأن الثقافة البصرية تحتاج إلى تراكم ومعاينة عن قرب ومحاورة فنانين لهم خبرات عميقة، من شأنه أن يسهم في تعزيز فهم مجالات الفن وإدراكها بوعي أكثر، وربما بتمكن وحرفية عالية.
أن تمارس الفن لابد من قراءة الآخر عبر مناخات مختلفة.
الثالثة: التوجّه للحفل الموسيقي الساهر الذي أحيته المطربة التونسية (درصاف حمداني) حيث شنفت أسماع الحضور بمزيج من الأغاني الطربية الأصيلة باللغتين العربية والفرنسية للمطربتين الكبيرتين اللبنانية فيروز والفرنسية باربرًا، حفل أبهر الحاضرين من رقي اللحن والأداء ورفعة الكلمةً، بعيدًا كل البعد عن الصخب الغنائي من الأصوات النشاز التي دمرت الذائقة العربية بإسفافها المنحط!
بحق كان مساء ممتعًا لا ينسى مر الوقت سريعًا، وثلاثتنا غارقون في لجة الفن حتى الثمالةً، كم هو جميل أن يتربى الذوق على جماليات الفنون الراقيةً،
وكم هي راقية العين الثالثة (ذائقة) حسن الجيراني التي وثقت بحس فني ذلك اليوم المعطر بطائفة من الفنون المختلفةً.
ما أجمل أن تهبك الأرض أحلى طقوسها نشوة قلب وتحية حب من جمالك يا دلمون.



