الشيخ أحمد القطري.. موجه ديني بامتياز

أصعب ما يواجه الإنسان هو الانخراط في العمل الاجتماعي التطوعي، وخاصة إذا كان هذا العمل يتطلب عملًا ميدانيًا، ومن أصعب الأعمال التطوعية الاجتماعية النشاط الديني، أو التوجيه أو الإرشاد الديني، حيث إن ممارسة النشاط الديني الثقافي، يتطلب من أصحابه امتلاك مهارات إنسانية عالية ونوعية، وأخلاق واسعة، مع خبرة اجتماعية، وعلوم دينية، وثقافة متنوعة، وانفتاح ديني واجتماعي.
الأنبياء والمرسلون والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، رغم أنهم مشاريع تبليغية الإلهية، ولقد اصطفاهم الله دون خلقه، ومنحهم العصمة عن الأخطاء، أو النزول إلى أي نوع من الموبقات، وسلحهم بكل ما يحتاجونه من دعم فكري ومعنوي ونفسي، وعلى جميع الأصعدة، العلمية والمعرفية والأخلاقية والإعجازية، من المعجزات والكرامات غير الاعتيادية للإنسان، والكثير مما نعلمه وما لا نعلمه، لهذا أمرهم ربنا عز شأنه أن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم.
وبالرغم من كل هذه العطايا والمزايا والكرم الرباني لمن اصطفاهم من عباده، أخبرنا الله والتاريخ أن بعض الأنبياء (ع) قد وفقوا بهداية البعض ممن أرسلوا إليهم، ولم يوفقوا في هداية القسم الآخر، بل نال الكثير منهم أنواع العذاب النفسي والجسدي جراء نشاطهم الديني والاجتماعي، حتى إلى درجة أن بعضًا منهم قد نشر بالمناشير، حسب ما يذكر في تاريخ قصص الأنبياء عليهم السلام، ويروى عن نبينا الكريم محمد (ص) قوله: "ما أوذي نبي مثلي" وهذا إقرار من نبينا الأكرم (ص) على صعوبة ومشقة العمل في هذا النشاط.
إذن فالعمل الديني يعتبر من الأعمال الصعبة والشاقة، وينبغي لصاحبه أن يمتلك نفسًا طويلًا، ومن جهة أخرى، يعتبر ذا مسؤولية شرعية عظيمة، إذ ينبغي لمن يخوض هذا العمل أن يكون قدوة حسنة، ومتفهمًا مسؤوليته الشرعية على أكمل وجه، ومن يخوض غمار هذه التجربة لابد أن يمتلك وعيًا دينيًا واجتماعيًا، يمكنه من كشف النقاب عن الأحداث التي تجري خلف الكواليس، فضلًا عن الظاهر منها.
سماحة الشيخ أحمد القطري، تجربته في العمل الديني والاجتماعي تجربة فريدة، حيث استطاع خلال أكثر من ثمانية عشر عامًا من تنشئة شباب متدين وفاعل ونشط، في المجالين الديني والاجتماعي، برغم اختلاف توجهاتهم الدينية والثقافية، حيث إن سماحته يمتلك سمات عديدة تؤهله لخوض التجربة الدينية والاجتماعية المتنوعة فكريًا، ومن أبرز تلك السمات تواضعه الشديد النابع من سعة أخلاقه، وعفويته الفطرية، التي أحبها أبناء المجتمع فيه، حيث لا تجد صعوبة في الخوض معه في أي حديث أو عمل، كذلك وعيه الديني والاجتماعي، الذي منحه الانفتاح علي الآخر، سواء على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الثقافي أو حتى الرياضي.
ونذكر هنا أن سماحة الشيخ أحمد القطري، عندما بدأ العمل الديني والاجتماعي في حي الحوامي، كان على وعي من الأرضية الفكرية وأبعاده الثقافية، حيث إن هذا الحي له تاريخ في النشاط الديني والاجتماعي والثقافي وما زال، وقد برز منه خيرة من الشباب والشابات، وكان له تحولات وتنوعات عديدة في العمل الديني والاجتماعي والثقافي، والشيخ أحمد من سماته أنه كان شخصية اجتماعية بارزة وجاذبة ومنفتحة، وهذه في ظني كانت أهم سماته البارزة، حيث إن هذه السمات حببت أبناء الحي في فضيلته، ومكّنته من إيصال رسائله الدينية والاجتماعية بسهولة إلى أدمغة فئة الشباب وجذبتهم إليه.
وبرغم الجولة الصعبة التي خاضها سماحته، وهي جولة إصلاحية وتوجيهية، حيث احتضان مجموعة من الشباب من الانحرافات الأخلاقية، خاصة أن الحي، بعد أن كان يعج بالنشاط الديني والثقافي والاجتماعي، وكأنه خلية نحل، فجأة وإذا به يتوقف أو ينخفض منسوب هذا الحراك الديني والاجتماعي والثقافي، ويترك فراغًا في وسط الشباب اليافع أمام طاقة هائلة، تمكنها من القيام بأعمال عديدة ونافعة للمجتمع والوطن.
هنا كان وعي سماحته في التركيز على الشباب والطاقة الشبابية واستغلالها وتوجيهها نحو العمل التطوعي الديني والاجتماعي والثقافي، حيث كان ينقص هذه الطاقة الشبابية موجه مخلص قادر على السباحة معهم أمام موجة تيار قوي قد يصفع بهم خارج الدائرة الدينية، وبوعي وإيمان وإدراك سماحته بالتنوع الفكري والديني والثقافي من أبناء الحي، استطاع أن يوصل إليهم أهم رسالة وهي أنه خادم العترة الطاهرة، أو كما يقول ويردد عبارته أنا خادم أيتام آل محمد (ص)، دون تخصيص جهة على جهة أخرى، ودون تميز خط مرجعي على آخر، أو تفضيل تيار فكري على آخر، بل حاول وضع كل هذه المفردات في قالب واحد، حيث أشعر الجميع أن كل هذه المفردات عبارة عن إرث ثقافي وديني لنا جميعًا، وينبغي المحافظة عليه والاستفادة منه، دون الخوض في أي مهاترات، أو تصفية حسابات بواسطة النزاعات الدينية.
وكان يعتبر أي منازعات أو مهاترات باسم الدين عبارة عن مجادلات سلبية وضارة، وهي خلاف التوجيهات الدينية الإلهية والرسولية والعلوية، مستدلًا بالآية الكريمة من سورة الأنفال آية ٤٦ حين قال عز شأنه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
وكان يعتبر ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر هي السلاح المنقذ للمجتمع من التفككات الاجتماعية، ومن نشأة العداوات بين المؤمنين والمؤمنات، لهذا كان يعتبر الاختلافات الفكرية والدينية والثقافية عبارة عن قوالب من الحلوى، كل يأكل ما يرغبه ويأخذ ما يناسبه، تحت مبدأ ادخلوا في السلم كافة.
وتحت هذه الثقافة وهذا الوعي والإدراك، والحس بالمسؤولية، نجح في إعادة لملمة الشباب تحت مظلة دينية معتدلة، وبهذا التوجه استطاع مع هذه النخبة الشبابية الطيبة بالقيام بعدة أنشطة دينية واجتماعية وثقافية، حيث أسس دورات دينية على مدار السنة، وعلى كل المستويات العمرية والفئوية، من تعليم الأحكام الشرعية في الطهارة والصلاة وغيرهما، ودروس في الأخلاق، وأخذ سماحته على عاتقيه تدريس الراغبين العلوم الشرعية واللغة العربية، ومكافأة الطلاب المتفوقين دراسيًا وإنتاج الخطباء الحسنيين، وهذا الجانب قد برز فيه وحقق نجاحًا رائعًا.
حيث بلغ عدد الخطباء الذين تخرجوا من تحت يديه العشرات، ولم يتوقف نشاطه في حسينية القلاف، بل تجاوز ذلك، حيث تم فتح بيته وتسخير أهله لخدمة المؤمنين والمؤمنات، وكانت له إسهامات اجتماعية هائلة، منها إعادة بناء مسجد الإمام المنتظر (ع)، حيث كان مقر انطلاقة حركته التوعوية والإصلاحية الدينية والاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى حسينية القلاف ليستمر في ممارسة دوره الديني والاجتماعي دون أي توقف، وحتى بعد انتقاله من مسجد المنتظر (ع) إلى محطته الأخيرة في حسينية الأئمة، ما زال نشاطه المتميز مستمرًا وبنفس الحماس والروحية، وأكثر من ذلك، وهذا يدلك على أن سماحته يعمل بحس المسؤولية الدينية والشرعية التي عاهد الله ورسوله وأئمته في العمل في سبيله حتى آخر رمق في حياته المباركة.
نسأل الله له كل التوفيق والسداد وجزاه الله عن المؤمنين والمؤمنات كل خير.



