ليتك مثله!!

من الوسائل المساعدة على تكوين منظومة معرفية بالعلاقات الزوجية وتنميتها والسير بها باتجاه الاستقرار والدفء، هو الانفتاح على التجارب الأخرى والبحث عن النقاط الإيجابية والسلبية فيها، إذ لا ندعو للأخذ بالقيل والقال والبحث عن أسرار البيوت وخصوصياتها وإفشائها، بل هو استنطاق التجربة والمواقف بين الزوجين بعيداً عن الشخصنة والأسماء.
فهناك عوامل إيجابية تعزز العلاقات الزوجية نجدها دعامة النجاح فيها كالتفاهم والمشاعر العاطفية والثقة والاحترام المتبادل والعمل على إسعاد الآخر، وفي المقابل هناك عوامل هدم نستخلص درساً بتجنبها كالغيرة والنكدية وغياب الحوار وإهمال شريك الحياة.
ولكن من الخطأ إسقاط تجارب ومواقف الآخرين الإيجابية على ما يعانيه أحدهما من تقصير وسلبية تشعره بالإهانة وعدم القناعة بشخصيته وغياب الأمان وراحة البال معه؛ لتتحول تلك المقارنات لأسلوب من أساليب الكيدية والمناكفات وفتيل إشعال المشاحنات وتقويض دعائم الاستقرار، بل يكون وسيلة لغمز قناة الآخر وبدأ حلقة من حلقات الخلافات معه.
ولو تفكرنا قليلاً في هذا الأسلوب لوجدناه خطاً أحمر لا ينبغي الهمس به، فضلاً عن جعله وسيلة تنبيهية تعود علينا بالوبال وتفاقم الوضع وتفجره بين الزوجين، إذ إن نتائجه العكسية تسبب ضعفاً وترهلاً في علاقتهما وتتلاشى قناعة كل واحد بشخصية الآخر.
كما أن المأمول من تلك المقارنات وهو تعديل سلوكيات وتصرفات شريك الحياة، تتحول لحالة عناد ومناكفات وتصيد أخطاء وفتح ملفات التقصير السابقة!!
وأسلوب المقارنات له عدة عوامل تؤججه وتفعله ولسنا في وارد التعرض لتفاصيلها، ولكن من أهم العوامل هي المحطات الفضائية ووسائل التواصل التي رسخت في الأذهان فكرة فارس الأحلام والزوجة المثالية والحياة الزوجية التي ملؤها عبارات الحب.
والحقيقة أن لكل فرد شخصيته التي لا تشابه غيره في الصفات سواء الإيجابية منها أو السلبية، ولا يحفظ العلاقة الزوجية من المنغصات إلا القناعة بشخصية الآخر وتقبله بما هو عليه، وأي سلوك أو طريقة تعامل لا تعجب أحدهما فليس الحل لتلافيها أسلوب المقارنات المشعر بالإهانة، بل هو الحوار الهادئ وإبداء الصراحة في حديثهما مع الثناء على الصفات الجميلة فيه، فذلك أدعى لتقبله للفكرة وعمله على تعديلها بسبب حبه لشريك حياته.
كما أن اللهث خلف الموضات الجديدة والمقارنة بحياة الأزواج الآخرين مادياً يسبب خللاً وتوتراً في علاقتهما، والحل لذلك هو الشراكة في إعداد ميزانية البيت بعيداً عن المقارنات أو الدخول في استنزاف الجيوب بأخذ القروض المثقلة لكاهل الزوج.
وما يفعله بعض الأزواج من قلة الاهتمام بشريك الحياة وعدم قضاء الوقت الكافي معه لتبادل المشاعر والأحاديث، لن تحل بعقد المقارنات بعدد طلعات نهاية الأسبوع ومرات التنزه في نهاية الأسبوع من قبل العائلة الفلانية، وما يقوم به فلان من تخصيص وقت للجلوس مع أولاده والمذاكرة معهم وغيرها من أساليب المقارنة التي ستكون نواة لمشاكل تشتعل بينهما، وإنما الأفضل هو التنبيه على أي تقصير من الزوج أو الزوجة بعيداً عن لحظات الانفعال أو التعب، ووضع خطة مشتركة وذات مراحل لتلافي ذلك التقصير.
من أخطر آثار المقارنات هو عدم تقبل شخصية الآخر وما يصدر منه من أخطاء وتقصير وكأننا نعيش في عالم ملائكي مثالي، بينما النظرة الواقعية هي تقبل شخصية الآخر بما فيها مع العمل المشترك على تعديل السلوكيات السلبية، كما أن منسوب المحبة بين الزوجين يزداد كلما أثنى أحدهما على المواقف الإيجابية من الآخر ولما يغفل عنها، ولا يشعره بالإهانة وزرع الشكوك والغيرة وتنامي الكراهية بسبب تلك المقارنات.
والوهم الذي يعشعش في أذهان البعض حول مفهوم الزواج المثالي يخرب علاقتهما، فالحقيقة أن الحياة الزوجية السعيدة مواقف جميلة ومشاعر رقيقة ومساندة لشريك الحياة، وعمل مشترك في إطار الحوار على مواجهة المشاكل والأخطاء وجوانب التقصير.



