أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مائدة رمضان.. كانت عادات وأصولاً

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالجمعة 16 أبريل 2021، 2:30 م
مائدة رمضان.. كانت عادات وأصولاً

حينما يتسنى لنا تأمل المشهد الأصيل، لا بد لنا أن نستحضر صوراً كانت في الذاكرة والوجدان، فلنا في الماضي ثمة قنديل يضيء، ولنا أن نرسم خطاً واضحاً بين الماضي والحاضر.
مائدة الإفطار في رمضان مائدة لها عراقة وأصول، حظيت باهتمام كبير من أجدادنا، كانوا يحرصون على إعدادها والاجتماع حولها بعد أذان المغرب، وتعد فرصة طيبة لسيدة الدار الشغوفة منذ نعومة أظفارها لإظهار مهاراتها في الطهي، حيث تتعدد الأصناف وساحة التفنن في صنع منوعاتها الشهية وربما المعقدة، حيث تستغرق وقتاً وتأخذ جهداً لا يستهان بهما في تحضيرها.
تقف سيدة البيت في المطبخ الأصيل تعد العدة لتجهيز الطبخات المتوارثة من وقت الضحى وحتى قبيل غروب الشمس، طبخات جاءت من عبق الماضي، تُطهى على نار هادئة وبنكهتها الطبيعية، مثل صالونة اللحم الرمضانية ضيفاً محبوباً على المائدة، والشوربة، والهريس، وكباب اللحم بالخضار "العروك" وكباب العجين، والسمبوسة، والعصيدة، والخبيصة، والساغو، والممروس، والمنفورة، واللقيمات، والزلابية، والمحلبية، والبلاليط، وقرص عقيلي وغيرها من الطبخات والتي تأخذ تلك الأولوية والفوز في مائدة رمضان، وتكاد أن تكون فوق كل مائدة في بيوتنا، بجانب ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية والمشروبات المنعشة.
وقبل إعداد المائدة يتم تبادل الأصناف بين الجيران، يهدي كل جار جاره صنفاً من الأصناف التي طبخها، وهو عرف سائد في منطقة الخليج يدل على التآلف والمحبة والود.
المائدة تعد وتحضر وترص وتفرش بجميع الأصناف من المأكولات والمشروبات على أن تكون جاهزة تماماً قبيل أذان المغرب بدقائق، ويتحلق أفراد الأسرة جميعهم حول المائدة، كل واحد حدد مكانه على المائدة، ينتظرون الأذان لتأدية الصلاة، ثم يتناولون فطورهم بتلذذ مبتدئين بالتمر مقتدين في ذلك بسيد البشر عليه الصلاة والسلام، فلا تخلو المائدة من التمر أو أحد مشتقاته ضمن مكوناتها الرئيسة، يليه الشربت والشوربة ثم الطبق المميز الذي يتصدر المائدة هو "الثريد" يعني تشريب الخبز بماء المرق بما يحويه من لحم وخضار، طبق يكاد يكون يومياً، ثم بقية المأكولات التقليدية المغلفة بأسرار الطهو المتراكمة مند قرون.
وبعدها تجلس العائلة لشرب الشاي العادي أو الثقيل، و قد ينكه بالأعشاب العطرية - حسب الرغبة - كالنعناع والحبق والزهوريات أو ماء الزهر لتعطيه نكهة مميزة، وقد يتناول بعضهم شاياً حامضاً "الليمون الأسود"، تغلى ثمراته "اللب" بالماء ثم تخدر كالشاي.
نعم، تلك ذكريات لا تنسى من أيام الطفولة، عادات وتقاليد يعشقها ويحن لها كبار السن، وهي ملتصقة بوجدانهم يستذكرونها دوماً.
أين نحن اليوم من تلك الأيام؟! في الماضي القريب كانت الأسرة تعتمد على سيدة البيت التي أغنت الموائد وخصوصاً الرمضانية بألوان المأكولات الشعبية، فالمائدة الرمضانية تمثل جزءاً من عاداتنا وقيمنا الأصيلة.
ودارت الأيام، ومع دورانها، أدركنا أهمية الأشياء الحلوة، شعرنا كم هي غالية أو حميمة، ففي رمضان تشعر بقيمة "الهريس" أو "العصيدة" أو "الممروس" التي هي من عبق الماضي، فقدنا لقيمات نظيفة طازجة طالما ألفناها، وصحون فطمنا على نكهتها وشبّينا على رائحتها، لقيمات تم إعدادها تحت إشراف منزلي مباشر، نعرف اليد التي صنعتها، أو النار التي أنضجتها، أو الخلطة التي كونتها.
وتدور الأيام، ومع دورانها وجدنا مطاعم ومحلات الحلوى توفر للصائم أنواعاً لا تعد ولا تحصى من الأطباق والحلويات الشعبية، تطورت وتحسنت وأصبحت صناعة لها خصوصيتها، ولكن هناك شيئاً مفقود لا يعتمد على مجرد اتقان فقط وإنما لا بد من توافر شيء آخر مهم نسميه "النفس" وأيضاً فروقات في طريقة إعدادهم، فما عادت تضاهي تلك الأكلات التي كانت تنهمك ربة البيت بتحضيرها.
وأكثر ما يلفت النظر هو اعتماد العديد من الأسر على الوجبات الجاهزة أو المجمدة "المفرزنة" التي تقدمها المطاعم والمخابز والأسر المنتجة في ظل ظروف عمل ربة البيت.
ومن هذا المنطلق نجد أن زيادة الضغط الاجتماعي وتراكم الأعمال وسرعة إيقاع الحياة العصرية كان له تأثير مباشر على النمط الغذائي للأسرة، والتي تعد المرأة المحور الأساسي له، فالمرأة العاملة لا تجد وقتاً كافياً لتحضير الطعام وإعداده مما يجعل المحيطين بها "أفراد الأسرة" يتجهون مباشرة إلى الوجبات الجاهزة من خارج المنزل، شيئاً فشيئاً، أصبحت ظاهرة طاغية على حياتنا.
يبقى أننا اليوم لم نعد نشاهد أيًا من تلك الأكلات في موائدنا الرمضانية، لكن في المقابل فإن القليل منها ما زال على المائدة لكن ليس بذات الطعم الذي كانا عليه في تلك الأيام.
إنها سلبيات الزمن، ومهما تباينت آراؤنا حول تلك السلوكيات فقد أصبح من الصعب تجنبها اليوم تحت وطأة الحياة المعاصرة، فالسيدة لا يوجد لديها وقت لعمل أطباق في المنزل، بخلاف أمهاتنا اللاتي كرسن جل وقتهن للبيت والأسرة.
توقفي سيدتي قليلاً في هذا الشهر الكريم عن المطاعم والمأكولات المجهزة وأطباق الأسر المنتجة قدر الإمكان، ادخلي مطبخكِ واصنعي بيدكِ ألذ وأطيب الاطباق لتعطي لأفراد اسرتكِ من نفسكِ الطيب شيئاً من الصحة والأصالة المطلوبة، فجاذبية مائدة رمضان لا تزال قائمة، حينما نعود إلى مطبخ الأم وحركة الطعام البطيء.
تخلينا نحن جيل اليوم عن كثير من تلك الكنوز الغذائية الأصيلة التي تمتع بها آباؤنا وأجدادنا، تنازلنا عن الطيبات، وطرنا وراء كل مطبخ شرقاً وغرباً، أطعمة مجهولة المصدر والصلاحية دخلت على موائدنا، وترسبت في أمعائنا، وافقدتنا توازننا.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.