وداعاً أسطورة كرة القدم (18)

خضع الفتى الذهبي لعلاج مكثف وكشف مستمر، وفحص دقيق لمراقبة مرض الكبد الوبائي الذي ألم به فجأة دون أن يدري، نصحه الأطباء بالتزام الراحة الكاملة للسيطرة على العلامات والأعراض، توقف عن اللعب لبضعة أشهر، تعافى خلالها تحت جرعات الأدوية والمهدئات، مرض ذاهب للانحسار بعد تطمينات الأطباء، بمرور الوقت تنامت روحه بإيجابية متفائلة.
على جبين الخطى، يسرج الفتى خياله للأمل الأبعد، كيانه متوثب، وعلى وقع الصافرة، أرجله جموح تسابق الريح نحو بلوغ المرمى.
الكرة سلوى تنسيه المرض الذي أقض مضجعه، متجاوزاً الأنين والوحدة والغربة وحرمان الأحبة وحميمة الأسرة، نزوله للملعب وهج، والمباريات متعة، والهتاف تشجيع، يرقص الجماهير على أنغام ترقيصه للكرة ذات الشمال واليمين، متواليات اللعب تغيض الخصوم، لا سيما من داخل نفسه مرض، فترتفع عنده نسبة الأدرينالين لأقصى حد، بحرارة كيد مبطنة، متى تحين الفرصة للاقتصاص منه، وكيف السبيل للانقضاض عليه، بخلق تمثيلية مفتعلة مغلفة بلعبة مشتركة، دون معرفة الحكم، وما الضير علم ولم يعلم، وليس مهماً أن يرفع كارت أصفر أو حتى أحمر.
المهمة المرتجاة إبعاد الفتى عن اللعب بأي وسيلة، إزاحته بأي أسلوب متبع أو غير متبع، طريقة معدة سلفاً آتية لا ريب فيها، ساعة الصفر السوداء قادمة وحركة قبح تنسج خيوطها في مسيرة الفتى.
هناك لاعبون يسند لهم المدربون مراقبة لاعب معين، وخصوصاً الذي يشكل خطراً عليهم، وحسب المفهوم الكروي تعطيل صاحب مفاتيح اللعب، أو الحد من مهاجم قناص، حتى لا يملك الخصم التحكم في مجريات المباراة، إبعاد الورقة الرابحة بكل ما هو متاح، هذا الشيء معمول به ضمن خطط المدربين الفنية وسارياً في عالم الكرة، إسناد يوكل للاعب معين يتتبع خطوات وجري اللاعب المستهدف لشل حركته طوال الوقت، ملازم له كظله، احتكاك جسدي حتى من دون كرة، إلى هنا الأمر مقبول.
لكن بعض اللاعبين يتجاوزن المهمة المناطة إليهم، فيقومون بما هو أبشع من المراقبة البحتة، تارة يستخدمون الألفاظ النابية الوقحة، وأخرى بالتدخلات الجسدية المستفزة، يتعمدون الركل قصداً، والضرب عمداً، للوصول لنرفزة اللاعب بتشتيت فكره، وخروجه عن "مود" المباراة، فيحدث التشاحن والتدافع شيئاً فشيئاً لغاية الاشتباك، وهنا الإبعاد قد يحدث، رهن بتقدير الحكم، إنذار أحدهم أو طردهما من الميدان - الضارب والمضروب - إن حصل فالمهمة الموكلة آتت أكلها، ومن يملك أعصابه ربما لا ينجو من آثار الضرر الجسدي الذي سيكبله عن الحراك، وقد يطلب الخروج لعدم مقدرته على مواصلة اللعب، وعندئذ سيتخذ المدرب بديلاً عنه لتعويض مركزه الذي أصبح شبه معطل، وربما تتوسع الإصابة لاحقاً وتسوء الحالة ويبتعد عن مزاولة اللعب ردحاً من الزمن.
الروح الرياضية عند بعض اللاعبين الأنذال لا وجود لها في نفوسهم وإن تظاهروا بخلاف ذلك، هم ثعالب غدر، لا شيء في قاموسهم الرياضي اسمه المنافسة الشريفة، يمارسون كل قبح وخسة ودناءة متى أتيحت لهم الفرصة للانقضاض على الخصم، ساحة الملعب بالنسبة لهم تصفية حساب جسدية ونفسية، دون مراعاة لأحد، وعلى مرأى من آلاف العيون الشاخصة يقومون بفعلهم الشنيع، والضحايا مواهب كروية غيبت عن الملاعب قسراً.
الدوري الإسباني على أشده، تسابق محموم بين ثلاثة فرق لكسب مزيد من النقاط، منافس البرشا ليس فقط ريال مدريد، إنما أحد أكبر الأندية في إقليم الباسك، "أتليتيك بيلباو"، الذي يعيش عصره الذهبي، لكنه يتصف بصفة المحلية المعتمدة على النفس دون الاتكاء على الأجنبي، سياسة ليست موجودة في الأندية الإسبانية الأخرى، نادٍ مكتف بذاته ومغلق على نفسه، لا يستجلب لاعبين من دول ثانية ولا حتى من داخل إسبانيا، يقبل فقط لاعبين من إقليم الباسك وكذا المدربون، نادٍ أشبه بثكنة عسكرية، يمانع من قدوم الغريب، لا يقبل أحداً من خارج إقليمه مطلقاً!
أهو خوف من سرقة الخطط الكروية، أم احتفاء بجذوة الروح الباسكية النازفة منذ الحرب الأهلية الإسبانية.
تتراكم حمية باسكية منذ سنوات البطش، وتتصاعد في النفوس المكلومة والطامحة لما هو أبعد من مباراة كرة القدم!
يأتي الغريب ثمة شك في نواياه، لن يحمل الإخلاص والتفاني، مكانة الفريق يصنعها كل من تسري في عروقه الدماء الباسكية!!
تساؤلات وأوصاف محلها العزة القومية المتوارثة من جيل إلى جيل، تستوطن السياسيين بمختلف توجهاتهم الأيدلوجية، وترتسم تعبيراً عبر الفن والأدب والأغاني المصادرة، إفرازات الحمية تعبر عن ذاتها خلال أهازيج الجماهير في حومة الميدان، وتدفع اللاعبين للنصر وللتوحش أيضاً.
فرقة بالباو جسورة يرتدي أصحابها قمصاناً بيضاء مخططة عمودياً بالأحمر! يدخلون الملعب ويتخذون من المباراة بمثابة حرب كروية، ومن خلفهم تمارس "منظمة ايتا الانفصالية" المتهمة بالإرهاب عبر أعمالها الدموية، التي تقود كفاحاً مسلحاً باسم حرية الباسكيين ضد الحكومة المركزية الإسبانية، سعياً لانفصال الإقليم كوطن مستقل عن سلطة مدريد.
الباسكيون المسالمون لا يخفون مشاعرهم الاستقلالية التي تخفت وتطفو على السطح أحياناً، أصواتهم والإعلام يجير الرياضة مأوى للتصور وملاذاً للتخيل، تنطلق الصيحات أثناء المباريات، متنفساً لما هو عصي على تغيير معادلة الواقع.
ذات مساء، وعلى ملعب "الكامب نو" أتت المواجهة الموعودة، للتنافس نحو سباق الدوري، بين فريق "أتلتيك بلباو" وفريق برشلونة، وبين أرض وجماهير الأخير، لكن ثمة حنق مسبق وغضب مترسب لدى لاعبي وإدارة ومشجعي فريق برشلونة، بسبب خسارتهم لقيادة لاعبهم في مركز الوسط الألماني (بيرند شوستر) الذي كسره متعمداً اللاعب المخيف (أندوني جواكو يتكسيا) مدافع فريق بيلباو، المعروف بالتحامه القوي وعنفه اللا مبرر ضد لاعبي الفريق المقابل، الكل يهابه ويخشاه.
أصاب شوستر قبل موسمين، وعطله عن اللعب لمدة 9 أشهر، إثر ضربة قاسية في الركبة اليمنى، غياب هذا الهداف المتميز أفقد ركائز القوة لدى البرشلونيين، حرموا من خدمات لاعب موهوب يعد بمثابة دينامو الفريق، أقصي قسراً بفعل سياسة التوحش.
حين حل مساء يوم 24 من سبتمبر 1983 التقى الاثنان مجدداً بتحديات مسبوقة وتصريحات نارية من كلا الطرفين والمدربين زادت من لهيب المواجهة.
عيون مصوبة، وقلوب وجلة، لمواجهة حامية، الحماس مستعر واللعب يميل للبلوجرانا، ثمة تراجع للاعبي بلباو لتحصين مرماهم بكل ما أوتوا من قوة وشدة بأس، ضغط مستمر من قبل لاعبي البرشا ومحاولات عديدة لفك الدفاعات المتمترسة للذود عن عرينهم، برشلونة يدك حصون بيلباو بالطول والعرض، دقائق معدودات بان التصدع عبر تنقلات اللعب يميناً وشمالاً، إلى أن جاء الهدف الأول، ومعه ينطق المثل الشعبي راسماً واقع الحال "كثر الدق يبطل للحام".
وعبر اللعب السريع والهجمات المتوالية تعزز حضور الهدف الثاني وعند مرور منتصف المباراة، ثلاثة أهداف تسكن مرمى "أتليتيك بالباو"، اثنان من صنع مارادونا، هاج الملعب فناً وتشجيعاً، والانفعال بلغ مداه، تألق مقابل انهيار، جن جنون "جواكويتكسيا" مدافع بالباو، أوجاده متوترة، وعيناه جاحظة، أنفاسه لاهثة، خطواته تتابع الفتى الذي بحوزته الكرة، اندفع من خلفه كثور هائج وبكل وحشية، انقضى بكامل ثقله منزلقاً على العشب غارساً رجله اليمنى على كاحل قدم مارادونا اليسرى، أرداه أرضاً يتلوى ألماً ووجعاً، توقف نبض الملعب فجأة.
حبست الأنفاس، خيم الوجوم والحضور صمت، الفتى لا يقوى على الحراك، يتأوه ألماً، من شدة الضربة صارخاً: "إنني كسرت كسرت"!! نقل على وجه السرعة للمستشفى والجماهير في ذهول، فرح الفوز انقلب حزناً، بعد الأشعة تبين وجود كسر في كاحل قدمه اليسرى، وهي التي يعتمد عليها لعباً وفناً.
ضاقت مدينة برشلونة في عيون الفتى بما رحبت.
عنونت الصحافة بمختلف ميولها؛ "جزار بلباو هل ينهي حياة مارادونا؟"، غصة في حلوق الطامحين الذين يرون الفتى أفضل لاعب في العالم وهل سيحرمون من إبداعه، تساؤل ما انفك على الألسن نغمة تدور وبحرقة؛ هل سيعود؟



