حياتنا.. ووقتنا المهدور هباءً

لست رجل دين ولا طالب علم، ولست متديناً متشدداً أو متساهلاً، ولا باحثاً اجتماعياً، الفقير لربه رجل من عوام الناس و"على باب الله" وأقف دوماً على أبواب مجالس السادة والمشايخ الكرام والذين تربطني علاقة ودية مع غالب من أعرفه منهم، وأستقي منهم الحكم الشرعي والمسائل الفقهية والسنن ودون تمييز بينهم يستحق الذكر.
إنما وجب أن أذكرَهم هنا وفي هذا الشهر الفضيل بكل خير وتقدير وأثني عليهم الثناء الجزيل والجميل، وأدعو لهم الله عز وجل بالتوفيق والسداد وأن يعينهم الله على أداء رسالاتهم السماوية، ولست هنا لإثارة أمر بعينه، إنما فقط أردت أن أسجل امتناني وعرفاني لهم جميعاً كبيرهم وصغيرهم.
ولولا أن أخي العزيز السيد ماجد صاحب التطبيق يتحرج من ذكر الأسماء حتى لا يكون محسوباً على أحد، لسطرت أسماءهم جميعاً بالرغم من أنهم لن يرضوا بذلك سواء ممن أعرف وممن لا أعرفهم بمقاماتهم الكريمة.
وشخصياً، أنا مدين لبعض هؤلاء الأفاضل وإلى يوم الدين لما تفضلوا علي به واستفدته وتعلمته منهم، وكان لهم الدور الكبير في تثقيفي وإرشادي وتفعيل دوري المجتمعي والإنساني بالقدر الذي أعرف فيه حدودي، هؤلاء الذين هم من خيرة رجال الدين الآن وأفخر أنني تتلمذت مع مجموعة من خيرة أهل ديرتي على أيديهم، ونهلنا منهم مختلف العلوم والمعارف التي أفاضوا علينا بها، منها ما طبقناه وعملناه ونشرناه في وسائل التواصل الآن أو من خلال الحراكات الثقافية والاجتماعية وحتى الرياضية.
من ينكر أدوار رجال الدين فليلاحظ وجودهم وجهودهم هذا الوقت وفي هذا الشهر الكريم شهر رمضان، وآلاف المسائل التي تنزل على رؤوسهم وكأن الذين يسألون لم يصوموا أو يصلوا من قبل.
ليلاحظهم وقت الحج مثلاً، ووافضيحتاه عند الحج حين يجلس أحدهم مع أحدنا فقط ليلقنه كيفية قراءة سورة الفاتحة أو تكبيرة الإحرام أو نية الإحرام، وكيف نجيد صلاة الركعتين الواجبتين حتى لا يختل حجنا ويبطل، لنكتشف أننا فعلاً لا نجيد القراءة الصحيحة والشواهد كثيرة ولا أدري كيف كنا نصلي قبلها.
من ينكر فضلهم فليلاحظ الابتلاءات المختلفة الأخرى مثل مسائل السفر وابتلاءات النساء العويصة، والكثير الكثير مما يتصدون للإجابة عنه بكل رحابة صدر.
من ينكر فضلهم فليتخيل خلو المساجد منهم وكيف سيكون وضعنا ونحن الذين لا نجرأ أن يتقدم أحدنا للصلاة إماماً، فضلاً عن مؤتم خلف إنسان مؤمن آخر.
العالِم وطالب العلم منهم يعيد طرح أبسط المسائل الابتلائية كل مناسبة من وضوء وأحكام صلاة وغسل وتيمم وخلاف ذلك، وتقول في نفسك سبحان الله لماذا إعادة الشرح لأبسط المسائل والتي نمارسها يومياً وقد حفظناها عن ظهر قلب، لنكتشف عكس الذي نحن عليه تماماً حين تتضح الصورة الخاطئة والخطيرة التي نمارس عليها واجبنا الديني هذا أو ذاك من خلال خلل نبهنا له العالم أو طالب العلم أو الخطيب المتشرع نحن الغافلين والعابدين كيفما اتفق.
ولا يظن أي أحد أنه يستطيع فهم أحكامه من خلال رسالة مرجعه العملية، هذا إن كانت لديه الرسالة أو أنه يعرف مرجعه أصلاً.
نحن هنا لا نزكي الجميع بالمطلق فلكل قاعدة شواذ، كما أننا تماماً لا نتهم الآخرين جميعاً بالهمز واللمز في حق هذه الطبقة من الأخيار، ولكن أيضاً لكل قاعدة شواذ، والشواذ هنا هم يحاولون إسقاط كل ما هو سلبي على من يرشدونا وينيرون دروبنا لنتفقه في ديننا، في عباداتنا ومعاملاتنا وفق الشريعة السمحاء، ولعمري أن هذه هي القيمة الحقيقة التي ندين بها لهؤلاء الذين نذروا أنفسهم ووقتهم وجهدهم للمؤمنين.
هؤلاء لديهم رسالة قد خصهم الله تعالى بها، فعلينا بدل أن نراقبهم بطريقة الظن السلبي أن نحسن الظن بهم وأن نلتفت بدل ذلك لأنفسنا، لدنيانا وآخرتنا ونصلح من حالنا ونعمل من أجل نجاتنا وفق ما سناه تعالى لنا، بدل أن نغرق في ملذات الحياة وزخرفها بإرادتنا في الوقت الذي لا نعطي واجباتنا الشرعية وتكاليفنا حقها من العناية والاهتمام والوقت والالتفات لأحكامها الصحيحة والصريحة، ونؤدي طقوسنا وفق ذلك لا كيفما اتفق ودون حرص واهتمام، وكل ذلك لا يساوي ربع ما نصرفه من وقت تسلبه منا وسائل التواصل والعلاقات العامة والأسواق ومختلف الانشغالات دون مراعاة لوجود من يراقبنا وسوف يحاسبنا على مثقال الذرة خيراً كان أم شراً.
وببساطة، هذه الحياة أخذتنا إلى ما لم نخلق من أجله في المجمل، وقد أصبحت لا ترتكز على الدين وقيمومته وتنطلق من خلاله لتكون كل ممارساتنا الدنيوية نابعة من منطلق ديني أو متماهية مع التعاليم السماوية، وهنا لا مكان لحرية شخصية، بل اختيار خيار واحد وهو "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"، ولنأخذ من الحياة ما لذ وطاب ولكن بشرطه وشروطه.
لا توجد حرية شخصية في المعتقد والواجب الشرعي أو مخالفة التعاليم الدينية مهما حاول من يحاول لي النصوص وتطويع الفتوى لصالح الرغبة.
فيا ترى كم نصرف من الوقت لواجباتنا، وبأي طريقة نؤديها، وما مدى الحرص على الاعتناء بها وتسليمها كما يريدها الرب الجليل.
في النهاية نكرر تقديرنا للأفاضل العلماء وطلبة العلم الأكارم وللخطباء الأعزاء على ما يبذلونه ويقومون به من خلال تكليفهم، وهذه نعمة من الله بها عليهم وعلينا، ونحمد ونشكره على ذلك وندعوه أن يديمها علينا لتكون أحوالنا على اختلافها كما أراد لنا وكتبه علينا.



