الإمام علي (ع) الكمال الإنساني العادل

في ذكرى استشهاد الإمام علي (عليه السلام) سوف أقفزُ على العَبْرَةِ ليس تقليلًا لشأنها، يشهدُ الله تعالى على هذا كيف لي ألا أجري العَبرَة على أمير المؤمنين وسيد الوصيين خليفة رسول رب العالمين وحبيبه وإمام المتقين (عليه السلام) لكني سوف أتجاوزها إلى العِبَرِ التي أظنها؛ عِبَرٌ لأجلها قُتِلَ سيدي ومولاي روحي له الفداء.
تلك الشهادة التي عبّر عنها (عليه السلام) بقولهِ لقد فُزْتُ ورب الكعبة هذا القَسَمُ الصادق من إمام المتقين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين دليل قاطع على أهميتها بما تحتوي من عِبَرٍ شيّدت الدين الإسلامي وجعلت منه رسالةً عالميةً تصلح لكل زمان ومكان.
مما لا شك فيه أن في استشهاد الإمام علي (عليه السلام) في شهر الله وهو أفضل الشهور والذي اتخده الله تعالى له فيه من العِبَرِ ما تنوء به الجبال.
الإمام علي (عليه السلام) سيرة ونهج وأخلاق وجامعة لشرائع الدين الأخلاقية والإنسانية من هنا يجب علينا أن نساهم في تبيان تلك القيم الإنسانية والسعي الحثيث إلى تطبيقها على سلوكياتنا وأخلاقنا وتعاملاتنا الإنسانية لتعكس مدى تمسّكنا بنهج الإمام عملًا لا قولًا فقط.
بعد أن قبض بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) على ابن ملجم ساقوه إلى موضع للإمام فقال له الحسن (عليه السلام): "هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك"، ففتح أمير المؤمنين (عليه السلام) عينية ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه، فقال له بضعف وانكسار وصوت رأفة ورحمة: "يا هذا لقد جئت عظيمًا وخطبًا جسيمًا أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء" سيدي ومولاي لقد عَبَّرْتَ عن قمة الرأفة والرحمة بعدوك وقاتلك اللعين كيف لا وأنت يعسوب الدين وإمام المتقين، لنرقى بأخلاقنا في التعامل مع أعدائنا هذا ما أراده لنا إمامنا وسيدنا وقد ضرب لنا مثلًا أعلى من الأخلاق الإنسانية وأعطانا درسًا أراد منّا انتهاجه والسير فيه، هذه إحدى العبر المفترض علينا فعلها، ثم التفت (عليه السلام) إلى ولده الحسن (عليه السلام) وقال له: "ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه وأشفق عليه، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أمّ رأسه، وقلبه يرجف خوفًا ورعبًا وفزعًا".
سيدي ومولاي أي درسٍ تعطينا في الإحسان والشفقة على العدو وهو أسيرٌ بين يدينا، كيف لا نقدسك وها أنت تدعونا للتعالي على جراحاتنا رفقًا وشفقةً بالعدو هذه عبرةٌ أخرى أرادها لنا إمامنا وسيدنا أن نسقطها على سلوكنا ونهجنا الحياتي.
فقال له الحسن (عليه السلام): "يا أبتاه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟!" فقال له: "نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ كرمًا وعفوًا، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، واسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدمًا، ولا تغل له يدًا، فإن أنا متّ فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن عشت فأنا أولى بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفوًا وكرمًا" هذه بوتقة من السلوك الأخلاقي الإنساني العظيم المحمدي الأصيل الذي أقام عليه الإسلام نهجه وتشريعه لكي يعلّم الناس السيرة الحقة التي أرسل الله بها رسوله الكريم وتبعه أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة عليهم السلام، إنها نظرية أخلاقية ترقى بنا للكمال الإنساني، هذه حبوات حباها الله لهؤلاء قادة وينابيع الفكر المحمدي النقي الطاهر والتي جعلتهم هداة الأمة ونبراسها، نعم الرفق والرقي بالأخلاق من سمات عدل القرآن وحفظته وحماته وقوام الدين.
فلننظر لهذه الأخلاق المحمدية من الإمام علي (عليه السلام) لنستسقي منها الأخلاق النبيلة من الرفق بالإنسان وإن كان عدوًا والإحسان إليه ومعاملته بسمو أخلاقنا. هذه اللفتة الأخلاقية من سيدنا ومولانا (عليه السلام) يجب علينا أن نتقيد بها في سلوكياتنا لكي نحقق ما كان يصبو إليه سيد المتقين وإمامهم ويعسوب الدين.
هذا المقطع من وصيته للإمام الحسن (عليه السلام) فيه من العبر ما يجعلنا نتعالى على الأحقاد والضغائن وردات الفعل التي تودي بأخلاقنا للهاوية، للنظر لسمو الأخلاق المحمدية المتمثّلة في وصي رسول الله وخليفته. عندما نمعن النظر في هذا سوف نعرف عظمة وسمو الإمام علي (عليه السلام) وعدالته وإنصافه الناس، هذه إحدى العبر التي أرادها لنا إمامنا وسيدنا وحبيب قلوبنا.



