قم.. هذا ثوبك

قرأت عن الطفل علي آل درويش على لسان أمه، أنّه قد زيّن لباس العيد على غير موعده
ذهب ليصلّي صلاة القدر مع والده متزيّن بلباس العيد وكأنه على علم أن العيد سيلاقيه عند ربّه.
-وهذا لِسان حال أمه مملوءًا بالشوق:
قُمْ، هَذَاْ ثَوْبُك قَدْ حَضَّرْتُهْ
بِدُمُوعِ عَيْنَيَّ- يَا وَلَدِيْ- غَسَّلْتُهْ
قُمْ يَاْ حَبِيبِي.. ثَوْبُكَ يَرْتَجِيكَ
كُلّْهُ شَوْقٌ مِنِّي، وَلَكَ طَيَّبْتُهْ
قُلُوبُنَا -يَاْ نَاظِرِي- وَلْهَى عَلَيْكَ؛
أَرْجُوكَ -إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُنِي- هَاكَ قَلْبِي فَلَا تَرُدُّهْ
خُذْهُ، وَلَا تَنَمْ عَنَّا.. اِسْتَيْقِظْ؛
مَا اعْتَدْنَا نَوْمَكَ، وَفِرَاقَكَ شِدَّةْ
مَا اعْتَدْتُ هَجْرَكَ يَاْ مُنْيَتِي..
كُنْتَ طِفْلِي.. عُمْرِي اْلَّذِي أُحِبّهْ
رَجَوْتُ الْمَوْتَ.. يَتْرُكُكَ ثَوَانٍ؛
حَتَّى أُعْطِيكَ عُمْرِيَ كُلَّهْ
ظَنَنْتُكُ سَتُحَيّيَ الْعُمْرَ مَعِي،
سَتُوَاسِي قَلْبِي إِنْ مَرَّ فِي شِدَّةْ
وَهَا هُوَ عَلَيْكَ الْآَنَ مَيِّتٌ!
رَجَوْتُ قَلْبَكَ أَنْ يُحَيِّيَ قَلْبِي.. رَجَوْتُهْ
هَاكَ مَاءُ رُوحِي.. لَكَ وَحْدَكَ،
خُذْهُ؛ مَاءُ أُمِّكَ -يَا وَلَدِي- صَدِّقْنِي، يُحَيِّي الْوَرْدَةْ!
قَتَلَ الْمَوْتَ رَبِيعُكَ، يَاْ سَلْوَتِي،
لَاْ سَاْمَحَ اللهُ الأَقْدَارَ الْمُوجِعَةْ
لَاْ تَخَفْ مَهْمَاْ طَاْلَ نَوْمُكَ؛
رَبُّكَ رَحِيمٌ بِمَنْ يُحِبّهْ،
وَلَاْ تَخَفْ؛ سَأُشْعِلُ شَمْعَةً أَمَاْمَ قَبْرِكْ
سَأُوَاسِي قَلْبِي؛ عَلَىْ مَنْ فَقَدَهْ
سَأَقُولُهَا كُلَّ مَرَّةٍ: "وَحَشْتَنِي."
وَفِرَاقُكَ أَنْبَتَ فِي عُمْرِيَ الْوَحْشَةَ
يَا أَنِيسَ الدَّارِ، وَعُمْرِي، وَرُوحِي!
يَاْ أَنِيسَاً؛ مَهْمَاْ طَاْلَ بُعْدُهُ.. نُحِبّهْ
اُرْقُدْ هَانِئَاً -يَاْ حَبِيبِي- مُطْمَئِنَّاً؛
فَمَكَانُكَ لَاْ يَخْلُوْ مِنْ حَنَاْنِ الْجدَّةْ
سَتُرَتِّبُ الْآَخِرَةُ لَكَ عَلَىْ شَاْكِلَتِهَاْ
سَتَكُوْنُ مَعَكَ؛ مِثْلُ الظِّلِّ بِجَاْنِبِ الشَّمْعَةْ
قَلْبِي عَلَيْكَ يَحْتَرِقُ.. بالله، أَجِبْنِي:
كَيْفَ اسْتَطَاعَ الدَّهْرُ أَخْذَكَ مِنِّي؟!
أَنَاْ يَامَا كُنْتُ أَحْتَضِنُكَ بِشِدَّةٍ!
مَاْ قُلْتَ لِي: سَتَرْحَلُ عَنِّي بَعِيدَا!
لَوْ قُلْتَ: وَاللهِ، حَضَّرْتُ عُمْرِيْ؛ لِيَرْحَلَ مَعَكَ كُلُّهْ؛
قُمْ؛ كُلُّ شَيْءٍ يَرْتَجِيْ مَجِيئُكَ
اِسْتَيْقِظْ، وَلَاْ تُوْقِظْ غُرْبَتِيْ..
ثَوْبُكَ لَاْ زَاْلَ فِيْ مَكَاْنِهِ؛
يَرْتَجِي لَمْسَةَ يَدَيْكَ عَلَيْهِ؛
إِلَّا إِنَّ الْكَفَنَ تَنَعَّمَ بِكْ
يَاْ حَسْرَتِي عَلَىْ عُمْرِكَ.. كَيْفَ أُوَاسِيهِ؟!
سَتَظَلُّ يَاْ صَغِيرِيِ، حَاْضِرَاً
طَيْفُكَ لَنْ يَرْحَلَ عَنَّاْ..
سَتَظَلُّ حَيًّاً شَفَّاْفَاً لَسْنَاْ نُلَاقِيهِ.




