البيض مسؤول عن التسمم الغذائي

كانت الدجاجة قبل 50 عاماً تعتبر ثروة، وكان الناس يقولون لمن يريد ذبح الدجاجة "بيضتها ولا لحمها" بمعنى أن البيضة أفضل من قطعة الدجاجة بعد أن تطهى وتؤكل، فهذه القطعة تؤكل لمرة واحدة وينتهي الأمر، أما الدجاجة البياضة فهي دائماً كالنخلة المثمرة، محصولها وإنتاجها مستمر ومتواصل، ولذلك فإن البيضة المستمرة لا شك أحسن من قطعة لا تدوم، أذكر ونحن أطفال كنا نأكل بيضة واحدة برغيفين بمعنى أن نغمس اللقمة في البيضة ولا نلمسها، فرحين غاية الفرح، لا يزال الطعم أو المذاق مخزوناً في الذاكرة.
من منا لا يحب البيض، فمنذ الصغر تعودنا على تناوله بأشكال وأطباق متعددة ورائعة، ويزداد تناوله في وجبة الإفطار، فالبيض مصدر غذائي غني بالبروتين ذي الجودة العالية، وكذلك الفيتامينات والأملاح المعدنية، غذاء مفيد جداً، وجميع عناصره قابلة للامتصاص، سهلة التمثيل، وهو يعادل اللحوم في قوة غذائه، بل يفوقها لوجود بعض العناصر التي لا توجد في اللحوم.
يعتبر البيض حقاً من الأغذية الغنية بأهم العناصر الغذائية، إذ يوجد في كل 100 جرام منه 12 جرام بروتين و11 جرام دهن و2.7 ملجرام حديد و50 ملجرام كالسيوم و200 ملجرام فسفور، كما يوجد به فيتامين A وفيتامين D وفيتامين E ومجموعة فيتامين B المركبة.
وتحتوي البيضة الواحدة على العناصر الغذائية المفيدة، الليوتين والزيامزانثين، مهمان لتأمين سلامة النظر، والكولين هو أحد فيتامينات B يلعب دوراً مهماً في تكوين وعمل المخ، والأحماض الأمينية التي يتكون منها البروتينات تشكل عشرين نوعاً منها تسعة أساسية لا يستطيع الجسم أن يصنعها، لذلك لا بد من الحصول عليها من الغذاء، والبيض قد يكون المصدر المتاح لتوفير الأحماض الأمينية الأساسية التسعة.
وللبيض أيضاً صفات مرغوبة إضافة إلى فوائده الغذائية، منها أنه يتميز بالطعم اللذيذ والنكهة الخاصة، رخيص، ومريح، وسريع التحضير، وسهل المضغ، ويلعب دوراً أساسياً في الكثير من الأطباق، إضافة إلى أهميته في تصنيع بعض الأغذية.
ويجب ألا يؤخذ القول بفائدة البيض على إطلاقه فيعتقد كل منا أن تناوله بكثرة مفيد، فالإكثار من أي مادة يسبب إرهاق المعدة وإتعابها، ويربك الكبد فتنقلب إلى سموم.
من هنا فإن تناول البيض يجب أن يكون بكميات محددة لا إفراط فيه ولا تقييد مرتبطة بالتوازن في الغذاء.
قد يتحسس بعض الناس من أغذية معينة، بينما لا يتحسس آخرون منها، وهذا يعتمد على قابلية الشخص نفسه، والبيض من الأغذية التي قد يتحسس منها مريض الحساسية وتسبب له حالات حادة.
بدأتُ وأنا أشتري طبقاً من البيض في فرز البيض المكسور والمشقوق وإبعاده، وأنا أفعل ذلك بادرني البائع غضباناً وساخراً متهكماً، قال لي: "هل أنت تأكل القشر أم تشرب البيض نيئاً؟"، وكان عليّ أن أتحمل تهكمه وسخريته بصبر، وكدتُ أفقد صوابي ورباطة جأشي وأنهزم معلناً في قرارة نفسي ربما خطأ قناعتي الشخصية المبنية على المفهوم العلمي!! غير أني تمالكتُ نفسي وقررت أن أنتصر عليه وله، وفي هدوء بدأتُ أشرح للبائع الذي أظنه يفهم حديثي، مستهلاً بتذكيره بشروط البلدية التي تمنع تسويق منتجات لا تنطبق عليها المواصفات، وهذه لغة يفهمها الباعة جيداً، بل حقيقة يخشونها، فإن أردت أن تخيف أحدهم فاذكر له البلدية، والحقيقة لم أقصد تخويفه بقدر حرصي على توعيته، وكثيراً ما أفعل ذلك باذلاً مجهوداً لأشرح للباعة مفهوم الضوابط الصحية وأهمية الالتزام بها، ومخاطر تسويق منتجات فاسدة قد تضر بصحة المستهلك، وتؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح وفي الأموال وفي التجارة، وقد يلحق ضررها الباعة وتجارتهم وسمعتهم.
قلت للبائع هل سمعتَ بمرض التيفوئيد؟ أجاب بنعم تيفوئيد وكوليرا وغيرهما من الأمراض الخطيرة.
هناك من الباعة والمستهلكين من لم يسمعوا بخطر السالمونيلا، ولكن هناك من لم يأخذ خطرها مأخذ الجد فأكل البيض الملوث أوقعهم فريسة للمرض.
- بيض المائدة: هو بيض دجاج كامل القشرة والمنتج حديثاً والذي يتميز بعدم تغير خواصه الطبيعية، ولم يعامل بأي من الطرق المتبعة في حفظ البيض.
- من مواصفات تسويق بيض المائدة، أن تكون القشرة طبيعية ونظيفة غير مكسورة أو مشروخة وخالية من المساحات الخشنة (GSO 1002/2014).
ولنأخذ بكتيريا السالمونيلا كمثال للملوثات المسببة لمرض التيفوئيد، والتي ترتبط بالدواجن والبيض، يعرف المرض الذي تسببه هذه البكتيريا عموماً باسم السالمونيلوسيس (Salmonellosis)، ولهذا المرض ثلاثة أنواع أكثرها حدة حمى التيفوئيد التي تسببها بكتيريا السالمونيلا، والإنسان هو المخزن الوحيد لهذه البكتيريا، ولذلك فحوادث حمى التيفوئيد تدل ضمنياً على تلوث الماء والغذاء ببراز الإنسان.
والمرض الثاني في مجموعة السالمونيلوسيس هو الحمى الداخلية وتسببه ثلاثة أنواع من السالمونيلا، وأعراض النوعين المذكورين حمى التيفوئيد والحمى الداخلية متشابهة ولكنها أقل حدة من النوع الثاني، وتشمل تعفن الدم والحمى المرتفعة والشديدة الصداع، والإمساك، والقيء والإسهال، ونزيف في الأمعاء والأنف، والنوع الثالث يسبب المغص المعد معوي، وتسببه باقي أنواع السالمونيلا.
والأغذية المسببة تشمل الحليب الخام والسلطات الخضراء والدواجن والبيض والقشريات.
وتعتبر الدواجن من المخازن الأساسية للسالمونيلا، وما يقارب ثلث حالات تفشي السالمونيلوسيس الغذائية، والتي يتم التعرف فيها على الناقل مرتبطة بالدواجن، ولذلك فهي من وسائل النقل المهمة في نشر السالمونيلا.
السطح الخارجي للبيض أو القشرة معرضة للتلوث بفضلات الدجاج التي قد تحتوي على بكتيريا السالمونيلا المسببة للتيفوئيد وغيرها من الميكروبات، ويمكن أن تمتص هذه الملوثات من خلال المسامات الصغيرة لقشرة البيضة إلى داخلها نتيجة لانخفاض درجة حرارتها بعد وضعها، ويعتبر البيض المكسور وسيلة مهمة في نقل مسببات الأمراض.
وعلى أصحاب مزارع إنتاج بيض المائدة اختيار مكون علفي يعطي أثراً كبيراً في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتحقيق جودة المنتج وتقلل من نسبة البيض المكسور والمشقوب والمشروخ والمتعرج، كما يجب التأكد من خلوه من الملوثات والسموم الفطرية، ويجب استعمال العلف المنتج من الشركات ذات السمعة الطيبة.
صار من الممكن إطعام الدجاج طعاماً خاصاً بغرض الحصول على بيض بمواصفات غذائية معينة.
لسلامة بيض المائدة فرضت قوانين وتعاميم صارمة على استعمال الإضافات الكيميائية والمصادر الحيوانية لعلائق الدواجن، ويجب التأكد من الضوابط والأنظمة الصحية من خلال الشهادات الصحية المعتمدة والفحص المخبري، لضمان خلوها من الهرمونات والسموم الفطرية والمضادات الحيوية.
البيض المعد للبيع ينتج من دجاج غُذِّي بتغذية نباتية 100% معزز بالفيتامينات والعناصر المعدنية، حتى نضمن إنتاج بيض سليم وذي جودة عالية، نظيف أزيلت منه الفضلات وتم تطهيره وتعقيمه بالبخار.
تحسين جودة القشرة تقلل من نسبة البيض المكسور والمشروخ، مما يؤدي إلى زيادة نسبة البيض السليم ومن ثم زيادة الأرباح.
وهناك مقاييس لجودة القشرة مثل وزن القشرة، وقوة كسر القشرة، وسمك القشرة، وتعتمد هذه المقاييس على عمر الدجاجة والسلالة والتغذية، وكذلك الاختلافات الفردية، ويمكن تحسين جودة قشرة البيض بتوفير الماء العذب وإضافة حامض الاسكوربيك أو الزنك إلى الماء أو العليقة.
نوع غذاء الدجاج يحدد لون المح أو الصفار في البيض، وليس سلقه أكثر من اللازم، فعندما يكون الغذاء معتمداً على القمح يكون المح أصفر شاحباً، ويكون لونه أصفر غامقاً إذا تغذّت الدجاجة على الذرة أو الفصة "الألفا - ألفا"، ويزيد حجم البيضة كلما تقدمت الدجاجة في العمر.
البيض فائق الجودة من الدرجة الأولى ( Grade A quality ) المعزز بالدهون أوميجا - 3، وبالفيتامينات، منتج من دجاج غُذِّي بعلف نباتي ورُبِّي في حظائر حرة، بيض المراعي الحرة (الدجاج الطليق).
جودة قشرة البيض من العوامل الهامة جداً في الدجاج البياض، حيث إن البيض ذو القشرة الرقيقة يؤثر بصورة كبيرة أثناء التداول، ويعتبر هذا من التأثيرات الاقتصادية السلبية لمنتجي بيض المائدة.
لكي يحتفظ البيض بالجودة يجب أن يكون طازجاً ومحفوظاً مبرداً، وأن يستعمل خلال 30 يوماً من إنتاجه، إذا كانت ظروف تخزينه تتراوح من 11 إلى 15 درجة مئوية.
- تخزين البيض الطازج داخل الثلاجة وليس باب الثلاجة، وفترة صلاحيته 90 يوماً (GSO 150 -1 /2013).
يجب أن يحمل البيض ويجهز بعناية تامة حتى نضمن خلوه من الميكروبات، ويجب تخزينه دائماً في الثلاجات، ويطبخ جيداً ويتفادى أكله نيئاً أو غير ناضج.
مما يجدر التنبيه إليه هنا هو أن احتمال وجود بكتيريا السالمونيلا في بعض الأغذية حتى المطبوخة وارد لأن طرق الطهي قد لا تكون كافية أو غير ملائمة للقضاء عليها، ومن الأمثلة على ذلك البيض المخفوق أو المقلي أو المسلوق بصورة غير كافية أو تركه بعد السلق لفترة.
اللطخات الدموية التي قد توجد في صفار البيض لا تعني أن البيضة مخصبة أو تالفة، بل هي ناتجة عن تمزق وعاء دموي أثناء تكوين البيضة، ولا تسبب ضرراً على الإطلاق، ويمكن إزالتها برأس السكين، ومع هذا فإن وجود مثل تلك اللطخات تثير نفور المستهلك من البيضة.
هناك شواهد عديدة تربط بين الغذاء ونوعه ومصادر تلوثه، بسبب الممارسات الصحية غير السليمة.
أين نحن اليوم من ممارسات المطاعم والبوفيهات والمخابز ومحلات صنع الفطائر والمعجنات والمطبق.
لم تكن هناك جهود مسؤولة وذات فعالية توقف أصحاب الضمائر الميتة، هم لا يكترثون بسلامة من يتردد على مطاعمهم، همهم جمع الأموال، وإن كانت على حساب الأبرياء من الناس.
حالات تسمم عديدة حدثت نتيجة غياب الشروط الصحية في المنشآت الغذائية، لاحظنا كيف يتعامل العامل مع البيض، من الكرتون مباشرة أو من الثلاجة دون تنظيف وإبعاد المكسور والمشروخ، لا يوجد فرق لديهم بين البيض التالف والسليم، مثل هكذا عمالة يصعب التعامل معها ومراقبتها، فمعظمهم يعملون لحسابهم، هم يفتقرون إلى الحد الأدنى من مقومات الشروط الصحية، حيث أصبح تركيزهم على جانب الربح دون النظر لأهمية النظافة.
شاهدنا مثل هذه الممارسات في أكثر من موقع وبأكثر من طريقة، وخصوصا في معظم المطاعم والأكلات الشعبية والبوفيهات والمطبق.
فدائماً كُنا وما زلنا لا نقبل من مواد المطبق إلا أحسن ما في السوق سواء الخضار مثل الطماطم والكرات أو اللحم أو البيض أو غير ذلك، هذه عوامل المحافظة على السمعة الطيبة لكل صاحب مطعم أو تاجر يخاف الله عز وجل.
على العاملين في المطاعم والبوفيهات والمخابز غسل البيض بالماء بشكل جيد واستبعاد البيض المكسور والمشروخ، وعدم الاستهتار واللامبالاة في هذه الأمور.
يجب التأكد من حالة البيضة قبل كسرها، فالبيض المكسور أكثر قابلية للتلوث بالسالمونيلا من البيض السليم، وقد توجد في أطباق البيض.
إن بكتيريا التسمم الغذائي إما أن تكون موجودة أساسًا في المواد الأولية للطعام كالأطعمة الطازجة ومنها الدواجن ومنتجاتها المعروف وجود السالمونيلا بها، ولهذا يجب طهوها جيدًا، وقد تنتقل البكتريا إلى الطعام خلال مراحل تحضيره، وطهوه أو تقديمه، وأخذ الاحتياطيات الكافية للحد من مثل هذه التسممات، وحتى لا يصبح البيض مستودعاً للتسمم!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



