العقوق المبطن

إن الإحسان المتأصل فينا تجاه الوالدين وارتباطنا المقدس بهم هو واجب فرضه الشارع المقدس وأقرته المواثيق الأخلاقية على مر الأزمان.
نحن بحاجة ماسة دوماً الى إعادة النظر والمراجعة الدورية للعلاقة معهم لنبقى ملتزمين بهذا النهج والعمل على تطويره بما يتناسب مع وعينا عبر المراحل العمرية المختلفة.
في الضفة الأخرى، هناك النقيض لهذا الأمر الإلهي، ألا وهو العقوق بأنواعه المتعددة في العلاقة مع الوالدين، وخصوصاً عند كبرهم وحاجتهم لمزيد من الرعاية، هذا النوع من العقوق لا يمكن اختزاله فقط في الصراخ والشتم أو رفع الصوت عليهما أو حتى التعدي بالضرب عليهما بل هناك أشكال للعقوق صامتة و مبطنة لها من الأثر السلبي الموجع على النفس ما هو أكثر من بعض أشكال العقوق الصريحة، وأهمها قطع الصلة بهما وهو ما ينطبق على بقية الأرحام بشكل عام.
ومن أشكال العقوق المبطن هو استغلال حبهم لنا بأن نسخرهم لخدمتنا ورعاية مصالحنا، وكمثال على ذلك هو ترك الأطفال تحت رعايتهم بشكل دائم ومستمر دون وجود سبب يفرض ذلك عليهم سوى الرغبة بالتنزه أو التسوق بعيداً عن إزعاج الأطفال، فنتركهم للوالدين للاهتمام بهم ورعايتهم أثناء غيابنا في التسوق والنزهة.
ألا يكفي ما بذلوه من جهد وعناء في تربيتنا ونحن صغار حتى نلقي بالحمل عليهم لرعاية أطفالنا وهم في هذا العمر الذي ينبغي أن نكون نحن في خدمتهم؟
ومن الأساليب المؤذية في الحديث معهم هو سؤالنا لهم بطريقة توحي لهم بأنهم دخلوا مرحلة الشيخوخة والكبر والخرف، كما لو سألناهم عن مدى تذكرهم لأسمائنا وأشخاصنا فنوقعهم في الحرج ونتسبب في إيذائهم النفسي من حيث لا نشعر.
ويمكننا في المقابل استبدال هذه الطريقة بأن نعرف بأنفسنا جيداً لهم بشكل مباشر تلافياً لأي إحراج لهم، إن ادخال السرور عليهم يرفع من معنوياتهم ويشعرهم بالراحة النفسية والسعادة، وأنهم ما زالوا بخير ولهم كل الحب والتقدير في العائلة كما كان مسبقاً.
"إذا خانتهم الذاكرة فلا يخونك الأدب".
لنتمنى لهم السعادة دائماً ونبتعد عن أي مكدر لصفو عيشهم، وذلك بأن نعتني بهم كما اعتنوا بنا وبتربيتنا وتوفير مطالبنا ونحن صغار، فحرموا أنفسهم من لذائذ الحياة لأجلنا، فلنسعى جاهدين في الابتعاد عن جميع أشكال العقوق الصريحة منها والمبطنة الصامتة، فهم من بذلوا الغالي والنفيس لأجلنا.
لا ينبغي أن يكون اهتمامنا بهم أقل من اهتمامنا بأطفالنا وأعمالنا.
إنهم في مرحلة قطف الثمار وليس زراعة الاشجار والاعتناء بها، فيأتي التذكير الالهي منبهاً لنا عن غفلتنا عن حقوقهم: "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" [الإسراء : 23].
اللهم ارزقنا البر لهم أحياء وأمواتاً.



