أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بين الشتاء

جمال الناصر · القطيف اليومالأربعاء 2 يونيو 2021، 8:00 ص
بين الشتاء

في ليلة شتائية، المصابيح على أرصفة الطُرقات، بين الشُرفات، تشتعل فيها الأنوار، أشياء، تطير حولها في حركة دؤوبة، يقود سيارته بلا وجهة، يُحدق في الأجواء من حوله، النّاس، يرتدون معاطفهم الشتوية، التي تبعث على الدّفء، المظلات على قسمات وجوههم، خوفًا من ازدياد زخات المطر!

أدار طرفه بألم إلى الجالسة على المقعد بجانبه، تتأمله صامتة، كأن عيناها، تُريد أن تخترق باطنه وفكره، لتُزيح عن كاهلها ذعر التوجس، وما تُخبئه الأيام!

هل يُتقن الشتاء كشف ذواتنا أم تُراه يُواري جسارة الأنانية التي تجُرنا إلى مُفترق طرق وأيُها الطُّرق تكون الملاذ؟!

هذه الكلمات، كالصراع في داخله، تضج بلا هوادة، تتفاعل معها أنفاسه المُضطربة، ترتعش أصابعه، يأخذ نفسًا عميقًا، أراد أن يُرشفُها القهوة، إلا أنها لم ترغب، لم يستطع إخبارها أنه يُريد أن يُودعُها دار المُسنين غدًا صباحًا!

كانت الساعة الواحدة صباحًا، للتو أدخلها غُرفتها، وأغلق الباب، حاول أن يقرأ صمتها، قرابة الأربع ساعات، لم تتفوه بكلمة واحدة، سوى رفضها أن يشترى لها القهوة.

استقبلته زوجته، والابتسامة، كأنها نهر، أفرد ذراعيه، ليحتضن المياه الجارية، احمر وجهه، أخفض حاجبيه، بدأت ملامحُها، تُثير الغضب، وخاطبته: هل أخبرتها؟

أجابها، وفي كلّ مفاصله ارتعاش: لا، لم أجرُؤ، لم أبادر بإخبارها، لم استطع إلى ذلك سبيلا.

صرخت في وجهه: لقد أضعت الوقت، كل هذا، ولم تُخبرها، أنت لا تحبُني، لا تُريد لنا الراحة بأن نكون سويًا.

استجمع قواه: لكنّها أمي، كيف أقوم بإدخالها دار المُسنين، إنها الجنة، إنها حلوة اللبن، لا، لا أستطيع!

وقفت على قدميها غاضبة، ورمقته بعينيها: أنت لست رجُلًا، انظر، لقد أعددت لنا ليلة رومانسية، نحتفل فيها بمفردنا، لا أحد يُزاحمنُا في هذا المنزل الكبير، انظر لهذا الفستان، الذي ارتديته لأجلك، لتشم رائحة هذا العطر، الذي وضعته على جسدي، وأحمر الشفاه، لتُسافر من خلاله إلى عالم مليء بربيع أنثاك الجميلة والناعمة.

تركته، بعد أن قذفت بين يديه شراكها، لتُحرك عاطفته وغريزته، ليقذف طواعية كل نداءات العقل، الذي لايزال، لهذه اللحظة، يقوم بأداء دوره على أكمل وجه.

في صباح طفيف من خيوط الشمس، كان الغد، الموعد الذي سيقوم فيه بأخذ أمه إلى دار المُسنين، دخل عليها غرفتها، دعاها إلى مائدة الإفطار، كان وجهه شاحبًا، يتصنع الابتسامة، كي لا تشعر بكل هذا الاضطراب، الذي يُخالجه.

بعد تناول الفطور، طلب منها أن يخرُجا معًا، لم تُمانع، أغمضت عينيها، تسترجع حديثه، مع زوجته قبل أيام، وهي تطلب منه أن يرمي أمه في دار المُسنين، اشتد النقاش بينهما، ليُوافق على مضض.

أدار مُحرك السيارة، التي اشترتها له أمه بمناسبة عقد قرانه، فقد ترك لها والده إرثًا كبيرًا، منزلًا تسرح فيه الخيل، وأموالًا كثيرة، كان يقتطع المسافات، مُثقلًا بالهموم، لا يعلم كيف يُخبر أمه أن دار المُسنين، تأتي في نهاية المطاف، وصلا عند بوابة الدار، كانت عيناها في سبات، انتابته الحيرة، كيف يُوقظها، لملم كلّ شجاعته، ووضع أصابعه، يُداعب خديها، ويُناديها، إلا أنها لا تُجيب، فقد فارقت الحياة!

صرخ، جرت دمُوعه بين خديه، صفع وجهه بقوة، دخل في حالة فوضى، كالمغمي عليه، فجأة أحس بأنامل حنونة على جبينه، تُوقظه من النوم، وتُناديه: حبيبي، قُم من نومك، لنذهب إلى منزل عمك، لتُرجع زوجتك، لابُد أن تُراضيها، فإن الحياة الزوجية يا ولدي، لا تخلو من المشاكل، وينبغي لكلا الطريفين، أن يتنازلا، ويتحمل كلّ منهما الآخر، لتستمر الحياة.

كان يُصغي لها بكُله، أزاح عن نفسه تعب الأيام، عانقها، ليُشعر من قلبها بالحنان، وبكى!