المرحلة الدراسية الأقرب إلى قلبي

غالبًا ما تكون المرحلة الثانوية هيَّ الحاصلة على الثقل الأكبر في ذاكرة الخريجين، وكذلك معلمو المرحلة الثانوية فهم يتركون أثرًا كبيرًا في نفوس طلابهم، وذلك يعود إلى وضوح شخصية الطلبة في هذا العمر مما يسهّل على المعلم التعامل مع كل منهم.
ولكن الأمر مختلف تمامًا في المرحلة المتوسطة، حيث يكون الطالب مشتتًا ذهنيًا؛ لذا دائمًا ما كنت أسمع عن صعوبة التعامل مع طلاب المرحلة المتوسطة بسبب عدم وضوح الشخصية، وبالذات طلاب الثاني متوسط، حيث قال لي أحد المعلمين ذات يوم بأن التعامل معنا أصعب من التعامل مع طلاب الصف الأول والثالث متوسط، حيث إن طلاب الصف الأول لا يزالون أطفالًا معتادين على نظام المرحلة الابتدائية، وأما طلاب الثالث فعادةً ما يكونون مجدين ومنتظمين بسبب خبرتهم في قوانين المدرسة، أما أنتم فضائعون بين اللعب والجد وهذا ما يصعّب علينا التعامل معكم.
في تلك الحقبة لم أفهم ما قاله هذا الأستاذ بشكل كبير، وكنت كل ما أتطلع إليه؛ الانتقال للمرحلة الجامعية ودراسة التخصص الذي كنت أحلم به متناسيًا باقي الفصول الدراسية، وبعد الانتهاء من الفصل الأول ومع بداية الفصل الثاني جاء نفس الأستاذ ليخبرنا بتغيير معلم مادة الرياضيات الذي اعتدنا عليه في الصف الأول من الترم الأول للصف الثاني مما أثار مخاوف جميع الطلاب من المعلم الجديد الذي دائمًا ما كنا نسمع تذمر طلابه بسبب شدته وقسوته.
وفي أول حصة طلب منا الانتقال لقاعته الخاصة، وعندما وصلنا إليه بدأ بالتعريف بنفسه وأسلوبه وخطته الدراسية، وكانت ملامح الاستياء وضحة على وجوهنا، هكذا بدت حصته مملة بنسبة ما، إلى أن كسر الملل بطريقته الخاصة بجلب اهتمام الطلاب.
يقول أحد الأصدقاء إذا أحببت المعلم أحببت مادته، فلقد كان يتودد إلينا كثيرًا على الرغم من معرفته بخوفنا منه، كان جادًا في تعامله، حيث كان يضع خطة في بداية العام إضافة إلى أوراق النشاط ومطوية تعليمية، ثم يطالب بكتاب النشاط ونقل جزء من الدرس في دفتر المادة.
وكنت آن ذاك حريصًا على إنجاز ما يقول، كنت أعتقد أني بمجرد الانتهاء من المرحلة المتوسطة ستنتهي علاقتي به، ولكن ما أن انتهيت من المتوسطة وانتقلت إلى الثانوية حتى بدأت لدي مشكلة لم أكن قادرًا على حلها، كنت أطمح لدخول المجال الأدبي، وكان والدي يصر على بقائي في المسار العلمي، حيث كنت أتصل به وأشكو حالي بصعوبة المواد العلمية ثم أتذمر من المدرسة، وفي مقابل ذلك كان يحفزني ويدعمني، لم أكن مجدًا في أغلب المواد العلمية حتى عندما كان يدرس لي، فلقد كان مستواي الدراسي عاديًا فلست بمجتهد ولا كسول.
لم أكن أفهم سبب زيارات الطلاب الكثيرة إليه، ولكني فهمت الآن أنه كان يترك أثرًا إيجابيًا في نفوس طلابه، فلقد كان دائمًا ما يتحدث عن الجامعة والمعاهد ويستكشف شغف واهتمامات كل طالب ويحترمها ويسعى لحل مشاكل الطلاب حتى بعد تخرجهم، وكان يعمل بإخلاص وتفانٍ، ودائماً ما يسعى لإيصال المعلومة إلى جميع الطلاب بكل وضوح، ويحرص على أن يكون جميع الطلاب في أوج تركيزهم أثناء حصته التي يطلق عليها "وقت الرياضيات"، هذا المعلم شارف على التقاعد الآن وأنا حزين لذلك، في الواقع كنت أنتظر لحظة سماع خبر تقاعده حتى يخسره الطلاب الجدد، والآن أنا في غاية الأسى والحزن لسماعي هذا الخبر.
قد سمعت مقولة تقول إن علاقة المعلم بالطالب ليست مجرد 45 دقيقة في الحصة، فإن المعلم أب وأخ نلجأ إليه عند الحاجة، وهذا ما وجدته في معلمي الأستاذ صفوت أبو السعود الذي أثّر في نفسي كثيرًا، الحمد لله فجميع المعلمين كانوا طيبين، ومعظمهم مازلت على تواصل معهم وحتى معلمي الابتدائية، ولكن الأستاذ صفوت كان صاحب الثقل الأكبر من المودة؛ ولذلك فالمرحلة المتوسطة هيَّ الأقرب إلى قلبي وليست الثانوية.



