جدتي أصبحت تنسى

جدتي أصبحت تنسى أسماءنا، هكذا فاجأتنا يومًا من الأيام، أصيبت بمرض "الزهايمر"، أصبحت تجهل كل ما يدور حواليها، فكل شيءٍ أصبح غريباً عليها، أصبحت لا تميز ملامح الوجوه، حتى وإن عرفنا عن أنفسنا، لا تتذكر من نحن، ومن نكون بالنسبة لها، أصبحت تعيد وتكرر الكلام، ولكن ما أجمل ذلك الكلام، وما أجمل ذاك الصوت الشجي.
وكنا نتعامل معها وكأنها لا تنسى، أو أنها لا تتذكر شيئًا، ولم نشعرها أبدًا أنها أصبحت تنسى الأشياء، والأسماء، والأشخاص، وكنا نتعامل معها بكل هدوء ومحبة، فهي من كانت لنا الأمان، الآن لا تشعر بالمكان ولا الزمان، الآن لا تسمعني كما كانت، حين أحدثها، أو حين أهمس في أذنها باسمها وأقول: آهٍ يا جدتي كم أحبك، وتضحك كلما رددت اسمها، وفي كل مرة أهمس في أذنها: أحبك يا جدتي، تطير فرحًا بي وتقول: أنا أيضًا أحبك كثيرًا يا ولدي، ها هي جدتي لا ترى الوجوه بوضوح، كما الأول، حركتها بطيئة، ولا تستطيع الوقوف بدون مساعدة الآخرين.
آه يا جدتي على هذا العمر، الذي مضى بكِ مسرعًا، ولم يشبعني من فيض حنانيك، فالمرض الذي أفتك بجسدك الضعيف فجأة، لم يمهلك سوى بضعة أشهر، أخذك منا وترك في قلوبنا الألم والحسرة.
آه يا جدتي، كم كانت تغمرني السعادة عندما آتي لزيارتك، أو حين تأتينا لزيارتنا، ويفرح قلبي حين أراكِ، وحين أدنو منكِ وأقبل يديكِ وجبينك، كنت دائمًا أشكر الله على وجودك في حياتي، إن قلبك الأبيض الطاهر كان يفيض بالحب، وبالحياة، كان قلبك الجميل عظيمًا، كان يحتوي الجميع دون استثناء.
آه يا جدتي، كم من مرةً سأقول: إني أحبك، كم أحبك يا أم أبي، ويا أم أمي، ويا أم الجميع، أول وأجمل الذكريات مع جدتي، من حقيبتها التي كانت أول سوبرماركت عرفته في حياتي، وكان في ذاك الوقت أجمل سوبرماركت بنسبة لي، حين تضع يدها داخل الحقيبة، وتخرج لي قطعة من الشوكولاتة، أو علكة بنكهة النعناع تعطر المكان، كم كنت أنتظر حلاوة هذه اللحظات، إنها لا تعوض بثمن، إنها كانت فرحة الروح في الطفولة البريئة.
آه يا جدتي، فمن الذكريات الجميلة أيضًا مع جدتي، أنها كانت خط الدفاع عني، حتى ولو أخطأت، وأيضًا هي المرشدة لي، فتصحح كل أخطائي كلما أخطأت، وهي الحكيمة، والقاضية، وهي دائرة الإصلاح بين جميع أفراد العائلة.
آه يا جدتي، يا صاحبة الابتسامة الرقيقة والجميلة، وصاحبة الحديث المثقف الذي لا يمل منه، كم أحبك يا جدتي، وأحب رائحة ورد الرازقي، وهو يتدلى من جدائل شعرك الأبيض الثلجي، كم أحب سماع صوتك الحنون، وحكاياتك الجميلة التي لا يمل منها، حين كنت لا أنام إلا على صوتك الدافئ، عندما تبدئين بالحزاوي، ليصدح صوتك الشجي في المكان، باسم الله نبتدي، وبالإيمان إن شاء اللّه نهتدي، السوالف تروح وتجي، حتى اتصلوا على النبي، ويا سامعين النظام، صلوا على البدر التمام، اسولف لكم خيرا لفانا ولفاكم وشرا تعدانا وتعداكم، كان يا ماكان، في سالف العصر والزمان، ومن تلك الحزاوي، أبو البنات السبع وأبو الصبيان السبعة، الحصان المسحور، الأصدقاء، ليلى والذئب، والكثير من الحزاوي الشعبية، التي كنت أفرح بها حين أسمعها بصوتك الشجي.
صوتك الذي يثلج صدري كلما سمعته، يدخل إلى قلبي الطمأنينة ويشعرني بالأمان.
آه يا جدتي، كم أشتاق إلى ذلك الصوت الذي يبعث في الروح الهدوء، ويدخل في النفس الراحة والسعادة، أين أنتِ الآن، كم أتعبتني الحياة من بعد رحيلك من هذه الدنيا، لقد رحلتِ مع الموت، ولقد توارى جسدك الطاهر تحت الثرى، فضم القبر أطيب وأحن قلب، وأجمل وأغلى إنسانة على قلبي، هي جدتي.
آه كم أحبك يا جدتي، يا أم أبي، يا أم أمي، يا أم الجميع، رحمك الله يا جدتي، وأسكنك فسيح جناته.



