أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

في التوبي.. «صناعة الدبس» تختار علي الجارودي ليحفظ موروثها.. وحجة والده قبل 30 عامًا أهلته لممارستها

معصومة آل حسين · القطيف اليومالسبت 24 يوليو 2021، 6:32 م
في التوبي.. «صناعة الدبس» تختار علي الجارودي ليحفظ موروثها.. وحجة والده قبل 30 عامًا أهلته لممارستها

ركبَ النخلةَ في الوقت الذي كان أقرانهُ يركبون درّاجاتهم، واتّخذَ من والدهِ صاحبًا يجالسهُ في المزرعة مستغنيًا بهِ عن مصاحبة الأقران وألعابهم، وبحديثهِ عن صخبهم وإزعاجهم، فكانت عيناهُ تراقبان أباهُ في المزرعة وهو يركبُ النخلةَ ويخدمُها ويصرمُ التمر في مواسمهِ، وينتجُ الدبس الذهبي اللامع على أصولهِ وقواعده، حتّى واتتهُ فرصتهُ الأولى؛ ليختبرَ فيها المعلّم تلميذهُ، حينَ ذهبَ والده الحاج المرحوم صالح محمد الجارودي في رحلة الحج تاركًا مفتاح الأمر والنهي والقيادة لدفّة أمور المزرعة في يدي ابنهِ علي، الذي طبّق الدروس التي تعلّمها من أبيهِ بحذافيرها، فأنتج أولَ تنكةِ دبسٍ في حياتهِ وهو لا يزالُ في الـ15 من عمره، وكانت النتيجة حينها تستحقُ التجربة.
التنكة الأولى
امتهنَ علي الجارودي إنتاجَ الدبس قبل ثلاثين سنة، وأنتجَ تنكتهُ الأولى بتشجيعٍ ودعمٍ من أبيه، ومنذُ ذهاب والدهِ للحج، وهو في سن الخامسة عشر وأواصرَ قوية قد نشأت بينه وبين الدبس، بعد أن تركَ الوالد الخَيْط والمِخْيَط بيد ابنهِ، حتى غدت حرفة الزراعة وإنتاج الدبس بالخصوص عملاً وهواية يمارسُها بتعلّق إلى جانب عملهِ الحكومي.
الچندود
وعن سؤالهِ حول صناعة الدبس وإنتاجه، تحدّث ابن"التوبي" لـ«القطيف اليوم» قائلاً: "الدبس هو عبارة عن سائلٍ نُنتجهُ من عصارة التمر، وقد أودعهُ الله تعالى قيمةً غذائيةً كبيرة من معادن كثيرة وبروتينات، وهو خالٍ أيضًا من الدهون والكوليسترول، ويُستخدم الدبس على مدار العام في أغلب المنازل، لكنّ الموائد ترحّبُ بهِ بقوة في شهر رمضان المبارك".
وأكملَ: "حتّى نُنتجَ الدبس بالطريقة التقليدية فإنّنا نحتاجُ أولاً إلى مكانٍ مشمس يتمُّ فيهِ تجميع التمر؛ حتى يجفَّ، ومن ثم يقلب بعد فترة من وضعهِ تحت أشعة الشمس، ويُعبّأ بعدها في أكياس، ويُحفظ في مكانٍ مغلق كان يُسمّى سابقًا "الچندود"، وهو عبارة عن غرفة محكمة، وكان هناك من يستخدم لحفظهِ صندوقًا مصنوعًا من الإستيل".
وأضاف: "من اللافتِ في ماضينا الجميل أنّ هناك بعض العوائل التي يوجد لديها الجناديد في بيوتهم، فعائلتي مثلاً كان لديها چندود، بل ومنذُ فترة ليست بعيدة كانت الجناديد لاتزال موجودة".
موروثٌ دائم
وأوضحَ الجارودي أنّ إنتاج الدبس موروث شعبي لا غنى عنه مطلقًا، مع وجود الاختلاف في صنعهِ بين الماضي والحاضر، فقد كان المزارعون في السابق يعبئون التمر في "قلة" مصنوعة من الخوص تسمى الخصفة، ومن ثمّ يُوضع الچندود بداخل حفرة تُسمى"الجابية"، والتي تكون مصبًّا إلى الدبس، وكان البعض الآخر يستخدم المسحة، وهي سابقًا كانت تُصنع من السعف والجريد، وقد أصبحت الآن تُصنع من الطوب.
وأشارَ إلى أنّهُ في الوقت الحالي قد اختلفت صناعة الدبس، فالتمر يُعبّأ في أكياس مشخلة، ويُوضع في صناديق إستيل مُحاطة بالماء من الخارج ويُوضع بها هياتر تسخين، وهذهِ هي الأدوات التي يحتاجُها المزارع لإنتاج دبسه الخاص، وعليه بعدها حفظه وتغليفه في مكانٍ بارد، لئلا يتعرّض للفساد.
النظافة والشمس
وبين أنّ المكان المشمس الذي يتمُّ فيه تجميع التمر يكون حارًا بحيثُ لا يستطيعُ الإنسان الوقوف لفترة طويلة، ممّا يمنع تواجد النمل في المكان، كما أنّ اختيار وضع المسحة دائمًا في مكان من طلوع الشمس إلى غروبها يعزّز ذلك أيضًا، وأضِف إلى ذلك نظافة المكان التي هي الأهم من بين ذلك كلّه، وإذا حصلَ ووُجِد النمل في المكان فإنّ وضع بودرة النمل بمسافةٍ بعيدةٍ عن الموقع كفيل بحلّ المشكلة.
15 ريالًا
اختلفت الأسعارُ للدبس شأنهُ شأن البضائع الأخرى، فالدبسُ في الماضي كان يُسعّر بالتنكة كما يُخبرنا الجارودي، وكانت قيمة التنكة نحو 15ريالاً، أمّا الآن فالدبس يُباع في سطول متفاوتة الأحجام من 1 إلى 5 كيلو وبالتالي يختلفُ سعرها، إضافةً لنوعِ الدبس وجودتهِ، فالدبس يُنتج من أصنافٍ معيّنة من النخيل مثل البكيرات والخنيزي والإخلاص والرزيز، وعليهِ يختلف ويتباين سعرهُ كذلك.
خفيفٌ ولامع
ويوضّح الجارودي أنّ هناك اختلافًا بين الدبس الذي يُنتج في المنازل وبين ما يُباع من قبل الشركات، فإنتاجُ المزارع والمنازل يكون الدبسُ فيه محافظًا على جودته، ودون أية إضافات، أمّا الشركات فإنها تلجأ لوضع الإضافات عليه.
وأرجعَ الفرقَ الملحوظ بين دبسٍ وآخر فيما نشتريهِ من بائع لبائع إلى التجربة، فبعضُ النخلاويين والمزارعين لا يضعون التمرَ إلا بعد التأكُّد من تجفيفه تمامًا، ممّا يجعل الدبس ثقيلاً، كما أنّ نوع التمر يوثِّر في نتاج الدبس، فتمرُ الخلاص مثلاً يكون دبسهُ خفيفًا جدًا ولامعًا، لكنّ بعض الأنواع الأخرى كالبشيرات يكون نتاجُها ثقيلًا وجامدًا ولا بُدّ من تسخينه.
عصيدة ولقيمات
وذكرَ الجارودي أنّ هناكَ أنواعًا ومسمّيات للدبس بحسبِ التمر المنتوج منه، فهناك دبس الخلاص ودبس البكيرات ودبس الخنيزي، وهناك أيضًا الدبس المُشكّل، وكلّ زبون يختارُ دبسهُ المفضّل لمزاجهِ وذائقتهِ، منوّهًا بأنّ أهلَنا في الماضي كانوا يستخدمونهُ لعمل العصيدة واللقيمات حيثُ لا غِنى عنه أبدًا، لكنّ حلاوتهُ أكسبتهُ صيتًا جيّدًا وجديدًا عليه أيضًا، فأصبحَ الدبسُ يُستخدم في أنواع أخرى من الطعام، كالخبز الأصفر والسينابون وأنواعٍ من الخبيص، بل أصبحَ الدبسُ يُضاف كبديلٍ عن السكّر في بعض الحلويات.
سوق الجبلة
كانَ "سوق الجبلة" مُستعدًّا دومًا لاستقبال المزارعين وبائعي التمور، و"الجَبلة" هي ساحة بسوقِ القطيف كانت مركزًا لتجارة التمور، وما يُعصر مِنْهُ وهو الدبس، إضافةً لبعض البضائع والسلع الأخرى، فبعدَ الانتهاء من موسم إنتاجهِ الذي يبدأ مع بداية شهر يوليو وينتهي بشهر أكتوبر يعرضُ النخلاويون دبسَهم على اختلاف أنواعه، لكنّ الجارودي ومنذُ السابق اكتسبَ من جودة إنتاجهِ زبائن كثر يشترون دبسهُ دون الحاجة لعرضهِ في الأسواق، وبعضُهم يشتري منه كمياتٍ كبيرة؛ لبيعِها في بقالاتهم أو مراكز بيع الفاكهة والخضار، وآخرون لثقتهم به يحجزُون لهم الكمية التي يرغبونها قبل أوانِ بيعه.
هوايات وأعمال تطوعية
يقضي الجارودي أوقات فراغهِ في ممارسة هواياتهِ المختلفة من بيع الرطب والليمون واللوز، وتربية الأبقار، وكذلك المشاركة في المُبادرات والأعمال التطوعية التي كان آخرها مشاركتهِ في مبادرة "المزرعة النموذجية" التي أطلقتها لجنة المزارع بمحافظة القطيف والمقدّرة مساحتها بنحو 3000 متر مربع، والتي تعتبر أول مزرعة نموذجية بالمنطقة، بمعية أكثر من 90 متطوعًا من الشباب السعودي ومن ضمنهم الجارودي.
ويطمحُ الجارودي لأن يتعلّم أبناء القطيف مهنَ الآباء وموروثاتهم الشعبية كصناعة الدبس التي ورثها عن أبيه، ومارسها بكل شغف؛ كيلا تندثر هذهِ المهن ويندثر معها التاريخ والتراث والحضارة.

بلدات:التوبي