وداعاً أسطورة كرة القدم.. 24

جموع متوجهة نحو مباراة القمة بين فريقي أتلتيك بلباو وبرشلونة بقيادة مارادونا، منازلة في قلب عاصمة البلاد، على ملعب نادي ريال مدريد (سانتياغو بيرنابيو)، نهائي مرتقب الهبته التحديات قبل أن يبدأ، مواجهة ثانية بعد أسبوعين على آخر لقاء جمعهما ضمن نطاق الدوري، كل طامح للفوز وسط حضور جماهيري، يقدر بـ 100 ألف متفرج، جلهم لا يعرف للحياد أي معنى.
الزمن يشير إلى 5 مايو 1984، يا ترى ماذا سيسفر هذا التاريخ لك يا إسبانيا، ومن الذي سيخطف كأس الملك لهذا العام، ولمن ستكون الغلبة في نهاية اللقاء، مباراة ستبوح بأسرارها عند صافرة النهاية؟
وأي نهاية ستكون نحو مواجهة نارية بأعصاب مشدود نتيجة تراكمات سابقة، مواجهة ستعلو على كل صخب الدوريات المنصرمة وضجيج مباريات الكؤوس الماضية، هل ستكون علامة فصل في مسيرة الفتى، وأي فن سيقدمه بعد عودته من إصابته اللعينة؟
أيها الحاوي كيف ستخرج سحر رجلك المتوثبة والمتعافية منذ بضعة أسابيع، وهل بمقدورها هز الشباك؟
اصطف الفريقان المتنافسان كما العادة لترديد النشيد الوطني الإسباني، لكن جماهير "الروجيبلانكو" وكذا "البلوجرانا" أظهرا صداً لعدم ترديد نشيد الوطن! اللاعبون شفاه صمت، حمية إقليمية متأججة لم يخب أوارها عند الكتالونيين سلماً وعند الباسكيين حرباً وإرهاباً ضد الدولة، كل يرى نفسه مظلوماً ونزعة الانفصال لكليهما تسكن النفوس منذ أمد بعيد وتتجدد على الدوام، لكن السلطة المركزية في مدريد تقف لهما بالمرصاد.
قبل إشارة بدء المباراة وقف الفريقان دقيقة صمت حداداً على أرواح مجموعة من مشجعي برشلونة الذين لقوا حتفهم في حادث مروع وهم في طريقهم لحضور المباراة.
انطلقت صافرة الحكم ومعها انطلقت هتافات الاستهجان من قبل مشجعي بلباو ضد مارادونا، فكلما انطلق بالكرة نادته الألسن الباسكية بعبارات عنصرية حول أصوله الهندية - نسبة للهنود الحمر -، ثمة لاعب أسندت له مهمة مراقبة مارادونا طوال زمن المباراة، وهو لاعب خط وسط بلباو "ميجيل سولا" تارة باستفزازه بكلمات فاحشة وتارة بالاحتكاك الخشن، وكذا الجزار قام بالدور تناوباً، ضيقوا الخناق عليه وقيدوا تحركاته، ولم يتركوا له مساحة للانطلاق أو المناورة.
بعد مرور 12 دقيقة ظل اللعب سجالاً، ثم أتت ضربة ركنية لصالح فريق بلباو، رفعت الكرة، وتصدى لها مدافع برشلونة مبعداً الكرة عالياً عن مرماه، لتعود ثانية لأحد لاعبي بلباو وينطلق بها بالقرب من المنطقة الركنية ويرسل الكرة مقوسة عند خط 18 يستقبلها (انديكا) ويثبتها على صدره مثل المغناطيس ويعاجلها بيسراه في زاوية المرمى على يسار حارس برشلونة.
هدف أول لفريق بلباو، عندها اشتعلت المدرجات هيجاناً وغلياناً ودوياً، هدف سجل في الدقيقة 13، ومعه جن جنون الجمهور الباسكي المقدر بـ 45 ألفاً مقابل 25 لفريق برشلونة، جمهور بلباو يطوح بأعلام إقليمهم ذي الألوان المحددة، الخضراء والحمراء والبيضاء والقريب شكلاً من علم بريطانيا، أعلام بمقاسات كبيرة تتحرك يميناً ويساراً طوال المباراة، تحجب نصف الرؤية عن عين إحدى كاميرات الملعب.
وعلى وقع الهدف المباغت دقات الطبول تسابق دقات القلوب والحشود وقوفاً مسلوبة الحواس، الجو مكهرب انفعالاً والملعب ملوث عنفاً، جل اللاعبين تشحنهم الجماهير بهستيريا مضاعفة، صريخ وزعيق وهتاف عنصري لم ينقطع، وكلما انطلق مارادونا بالكرة رموه أرضاً فتعلو الصيحات، بعرقلته وراء عرقلة، السبيل الوحيد لوقفه تقدمه، ضغط متواصل عليه ورصد لكل تحركاته.
أخطاء بالجملة بين الجانبين والشراسة الباسكية هي طاغية، استماتة دفاعية عن مرماهم باسم الإقليم وروح الشعب المظلوم حسب وصفهم، أفرغت عدوانية ونكاية نحو الفتى طوال الوقت.
جرح في قدمه يقطر دماً، ومنظر قبح من لدن جماهير بلباو بحذفهم علباً بلاستيكية ومعدنية على لاعبي برشلونة، وخصوصاً عند الضربات الركنية، وعلى أثر ذلك توقف اللعب أكثر من مرة - بسبب قرب الجمهور من خط تماس الملعب، لا يوجد مساحة فصل بين خط التماس والمدرج - هندسة تقليدية مقتبسة من الملاعب الإنجليزية.
تصرم الوقت بين شد وجذب، لعب طائش وهجوم بائس، وبرشلونة يكابد ويكابد من أجل إحراز هدف التعادل، لكن الوقت قاتل وكل محاولاته عصية وسط صلابة بلباوية، دفاع مستميت عن أي إصابة تهز القلعة الحصينة، وبينما وقت اللعب زاحف للدقائق الأخيرة سلك مارادونا طريقه نحو المرمى باندفاع ومراوغة متجاوزاً غابة من السيقان والأرجل المتداخلة والمتراصة، أوغل عمقاً وعند منطقة الجزاء عرقلوه عمداً.
ظن الفتى أن الحكم سيعلن ضربة جزاء، لكن صاحب الصافرة السيد الحكم عيناه شبه مغيبة، ليس في هذا الموقف بل طوال عمر المباراة التي لم يطرد أي لاعب سوى توزيع الكروت الصفراء بين الفريقين اللذان تبادلا الخشونة لكن بلباو هو الأكثر وحشية.
وبينما مارادونا جالساً على الأرض رافعاً يده من جراء تلك العرقلة الخطرة ينتظر قرار الحكم والذي اكتفى بضربة مرمى لصالح بلباو، وقبل أن يفز من جلسته اليائسة، اندفع مدافع بلباو بتوجيه شتائم وسباب في وجه مارادونا، بدأ التمرد والتشنج يسريان في عروق الفتى، أزف الوقت وسيف القنوط مسلط على رقاب لاعبي برشلونة بضياع حلم معانقة الكأس، وعند الدقيقتين الأخيرتين من عمر المباراة تكرر موقف آخر.
لكن هذه المرة وضع مارادونا رأسه برأس مدافع بلباو الشرس، شرر يتطاير من عيني كليهما، لحظة إيقاد حرب، احتكاك نطح بنطح، هيجان ودفع، ركض مارادونا وطار في الهواء ورجلاه تنقض على لاعبي الخصم، وزميله شوستر يساعده بالذود عنه، اشتبك اللاعبون واختلط الفائز بالمهزوم، كل يضرب الآخر بحركات الكنفو والجودو.
هبت جماهير فريق بلباو كاسرة السياج ونزلت حومة الميدان ليكتمل المشهد سوءاً على سوء، غاب العقل وحلت الشراسة كصبية في حارة مجنونة، توسع الركل والرفس واشتد الضرب، سقوط أجساد وركض وملاحقات مسعورة، مزق قميص مارادونا ورمي أرضاً أكثر من مرة، عمت الفوضى أرجاء الملعب، المصورون يوثقون الخزي والعار، ورجال الأمن تائهون ضائعون، تحول الموقف لغريزية الغاب، لحظات وترك لاعبو برشلونة أرضية الملعب وظل فريق بلباو بين رقص وأنين، منتشرين بين فاقدي الوعي الذين يغالبون نزفهم دماً، المسعفون يضمدون جراحات المصابين الذين بلغ عددهم 60 مصاباً.
كل هذا المشهد الدموي الذي لم تعرف ملاعب إسبانيا مثيلاً له من قبل، وقع أمام أعين الملك "خوان كارلوس" بصحبة زوجته "دونيا صوفيا" وولدهما "فيليب' وشقيقته "كريستينا"، ورئيس الحكومة الإسبانية فيليبي غونزاليس، وبحضور ملوك وأمراء المستعمرات الإسبانية، وسفراء عديد الدول.
وأمام أعين 100 ألف متفرج شهود على المعركة الكروية المشينة.
تسلم كابتن فريق بلباو الكأس من يد فخامة الملك وعينه غنية عن أي قراءة، رفع الكأس عالياً بينما أخلاق اللقاء وقعت في الحضيض.
اعتبر هذا الحدث أنه أسوأ وأعظم شجار تشهده ملاعب إسبانيا ويعرف باسم "معركة برنابيو".
كتبت صحيفة blonet football: "قرر العبقري الصغير الانتقام لنفسه، قد يرى البعض بأنها مشاهد مخزية بما في ذلك ملك إسبانيا، إلا أن سعي مارادونا للانتقام، قد عزز أسطورته"!!
كان لقاء شؤم وبداية رحيل الفتى عن أرض الثيران الإسبانية الهائجة، التي للتو تتعافى من نيران ديكتاتورية فرانكو.
وللإسبان تاريخ مخزٍ في مطاردات المورسكيين الذي فروا بجلدهم نحو الديار المغربية، ضاعت صراخات طارق بن زياد في لجة البحر بعد 800 عام من مشاعل الحضارة وقرون المجد، وتكسرت أحلام مارادونا خلال 3 سنوات في بلاد الأندلس، سنوات تيه وضياع حتى كادت حادثة أن تنهي مستقبله الكروي للأبد، حلمه تلاشى كما تلاشت من قبل أحلام استرداد فردوس العرب المفقود منذ 500 عام، لا البكاء يرجع الأطلال حية كما كانت ولا النحيب يرجع الأموات من مرقدها لتدافع عن الأرض السليبة، التاريخ دروس وعبر والمعتبرون قليلون.



