أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عاشوراء مدرسة التغيير

رضي العسيف · القطيف اليومالإثنين 9 أغسطس 2021، 1:25 م
عاشوراء مدرسة التغيير

لا توجد في التاريخ حادثة كحادثة عاشوراء الحسين (عليه السلام) تتجدد كل عام، تلهم (الأفراد والمجتمعات) قيم التغيير والتجديد، تلهمهم روح الإسلام الخالد، تلهمهم سبل الرقي الروحي والمعرفي والاجتماعي.
يقول وليم لوفتس ــ عالم آثار إنجليزي: "لقد قدم الحسين بن علي أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية، وارتفع بمأساته إلى مستوى البطولة الفذة".
في عاشوراء تتجدد فرص التغيير الذاتي والاجتماعي، وفي هذا الجانب نذكر هذه المفردات:
قوة الإرادة
قال حميد بن مسلم: "فوالله ما رأيت مكثورًا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشًا ولا أمضى جنانًا منه عليه السلام، إن كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب" (1).
نعم، بقي الإمام الحسين (عليه السلام) صامداً، لم تتغير ولم تضعف عزيمته. وهكذا ينبغي أن يكون قائد التغيير فمهما اشتدت المصاعب وتتالت الخطوب ينبغي عليه ألا يستسلم لها بل عليه أن يشد من عزيمته ويبقى قوياً أمام تلك المصائب والضغوط.
تعزيز الثقة بالنفس
قال ابن قولويه والمسعودي: لما أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلى بأصحابه صلاة الصبح قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله تعالى أذن في قتالكم وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال (2).

لا يمكن لأي قائد أن يتفوه بهذه الكلمات ما لم يكن على قدرة كبيرة بثقته بنفسه وقدراته وأهدافه، وثقته بأتباعه أيضاً، وهذا ما كان عليه الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه، وهذه الثقة نابعة من الثقة بالله فهو القائل: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة" (3).
أنصار التغيير
قال الإمام الحسين (عليه السلام): أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيرًا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً (4).
لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) يبحث عن الأتباع العاديين بل كان يستقطب لحركته الكفاءات التي تتمتع بصفات الإيمان والإخلاص والتقوى، كان (عليه السلام) يحشد الأنصار والأتباع الأبطال المخلصين الذين لا يخافون في الله لومة لائم.
وما أجمل ما قاله جورج جرداق ـ العالم والأديب المسيحي: "بينما جند يزيد الناس لقتل الحسين وإراقة الدماء، كانوا يقولون: كم تدفع لنا من المال؟ أما أنصار الحسين فكانوا يقولون لو أننا نقتل سبعين مرة، فإننا على استعداد لأن نقاتل بين يديك ونقتل مرة أخرى أيضاً".
إن أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) هم أصحاب الضمائر الحرة، "اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ".
وحدة الصف الاجتماعي
في ليلة العاشر.. أمر الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه أن يقاربوا البيوت من بعضها ليستقبلوا القوم من وجه واحد وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه الحطب ويلقى عليه النار إذا قاتلهم العدو كيلا تقتحمه الخيل فيكون القتال من وجه واحد" (5).
هذا العمل يوحي لنا بضرورة تلاحم الصف والتفاعل الاجتماعي الموحد، والاستفادة من التجارب الاجتماعية.
إن القائد الناجح هو الذي يرفض الأنانية والفردية، وهو الذي يربط الأتباع بعضهم مع بعضهم في صف واحد، ويوجههم نحو هدف واحد، ليكون العمل الجماعي هو شعارهم.
التغيير السلمي
أراد مسلم بن عوسجة أن يرمي القوم بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، وقال له: لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم بقتال (6).
إن رسالة الإمام الحسين (ع) في عاشوراء كانت قائمة على أبعاد سلمية تتخذ من وسائل اللاعنف طريقًا لنشر الهداية والرحمة والاستقامة وإصلاح ذات البين وتحقيق الحرية والعدالة. وهذا ما صرح به (عليه السلام) في كلمته: "إني ما خرجت أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً؛ إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر" (7).
علينا أن نقتدي بالإمام الحسين عليه السلام ويكون منهجنا في التغيير منهج السلم والتسامح والمحبة والعفو والرفق واللين.
السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ الله وَعَلى الأَرواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أَبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَيْلُ وَالنَّهارُ.
الهوامش:
(1) الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - الصفحة 111
(2) مقتل الحسين ص 225، السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم
(3) المصدر السابق ص 226
(4) المصدر السابق ص 212
(5) المصدر السابق ص 218
(6) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 - الصفحة 5
(7) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 44، ص 329