أيتام الحسين

لا أعلم لما يتبادر لنا حين نتأمل كلمة أيتام أو يخطر ببالنا أنه جائع، فأول شيء نحاول إعطاءه له الطعام كي لا يبكي من الجوع ولا أب يُسكت جوعه.
بالحقيقة اليتيم جائع فعلًا لكن ليس للطعام، لكنه جائع لروح تعطف عليه وتحتضنه وتوليه عنايتها.
اليتيم وكفالته ليس أمرًا حديثًا، فلا يخلو زمن من أيتام، ولا يخفى على أحد فضل كفالتهم وحث رسول الرحمة على ذلك لعظيم ما ينتظر كافلهم بالجنة بقربه كقرب السبابة للوسطى.
ونحن بزمن جائحة كورونا التي فرضت علينا قانون التباعد وتجنب التلامس الروحي لإيصال مشاعر الدفء والمشاركة، التي تفرض علينا مظاهر الجفاء التي تزيد من معالم القسوة الروحية التي بتنا نسمع قصصًا عجيبة كنا بالماضي يستحيل أن نصدق حدوث مثلها، فالأم التي هي نبع الحنان كنا لا نصدق أنها قد ترمي أبناءها وتتخلى عنهم، لكن الآن بات الأمر متكررًا وحادثًا، والأخ الذي هو سند لأخيه قد نراه يهجر أخاه بسبب مال زائل، الصديق قد يقتل صديقه بدم بارد بسبب خلاف تافه، إلى غير ذلك من الأمور التي تنبئ عن قسوة قلب باتت تتفشى بشكل أكبر من انتشار كورونا في زمننا هذا.
رسول الله الطبيب الدوار بطبه يعرض وصف العلاج بقوله: “من أنكر منكم قساوة قلبه، فليدنِ يتيمًا، فيلاطفه وليمسح رأسه، يلين قلبه بإذن الله”.
قد نجد أن هناك أمرًا ناقصًا بمآتمنا الآن، فليس هناك من يجمع تبرعات للأيتام أو حتى الفقراء ولا يذكّر بها بيوم اليتيم الذي حظي به يوم القاسم ابن الحسن (ع)، وحتى لو كانت هناك فئات مستعدة للعطاء بأيام الحسين لكن تحتاج من يذكرها، تحتاج إلى من يذكرها به مثل الحاج والمعتمر الذي ختم المناسك لكن يحتاج كل عام للتذكير بها كي لا ينسى منها شيئًا كي لا يفوته الثواب.
نعم قد يكون بذل الأموال للأيتام وحتى الفقراء به جانب من إدخال السرور على المؤمن، خاصة إذا كان العطاء سخيًا مثل سخاء الحسين وعطائه لنا.
لكن هذا العام أظن أن أعداد اليتامى زادت وتضاعفت عن كل سنة، فإذا كان العام الفائت كنا نرى تيتم النساء على أبواب المآتم واتجهنّ لتكوين مآتمهن مع أطفالهن، لكن هذا العام كانت نعمة لدخول أغلبهنّ، لكن بقى الأطفال خارجًا يُلقون يسترقون النظر من الخارج وبالقلب حسرة على دخول جنة الحسين ونعيمه بالعزاء عليه.
من منّا لم يتأثر لقلب طفل بكى بحرقة لأنه مُنع من بذل صدره ليكون ساحة لطم يشارك بها زهراء قلبه باللطم والندب والعزاء.
حقيقةً بكل بيت به أطفال هناك أيتام للحسين، فهلّا قدمنا لهم مسحة العطف التي تروي عطشهم وتُشبع جوعهم للحسين.
أمير المؤمنين (ع) يوصينا: “اللهَ اللهَ في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم”.
وهو القائل:
ليس اليتيم الذي قد مات والده
إن اليتيم يتيم العلم والأدبِ
واقعًا ليس الأطفال هم الأيتام، فجميعنا أيتام بحضرة الحسين نفتقر للعلم والأدب لنبذل نصرتنا لقضيته، وجئنا نطرق باب الكريم الذي أهدى ليتيمه القاسم عودة تجبر خاطره بمنحه إذن النصرة، حيث رأى الموت عسلًا في نصرة عمه وتركه له عذابًا وتحسرًا، فهل لنا من عودة أيضًا تشدها بأيدينا لنؤهل لقبول الحسين بنا للتقدم والبروز في نصرته؟؟



