المجتمع بين التشتت والتذمر وغربة الشباب

مقولة نسمعها ونكررها كثيراً ونتذمر من أحوالنا ونشتكي من أوضاعنا ثم نجر معها الآهات والزفرات والحسرات على المجتمع ونحن نشاهد ما يزيد القلب حسرة ولوعة وتذمراً.
حديثنا المتكرر دائماً شبابنا وفتياتنا ومجتمعنا في خطر فالوضع ينحدر نحو الهاوية، عاداتنا وتقاليدنا وكثير من المسلمات في ديننا هي اليوم تخترق ويتم التشكيك فيها مما يزيدنا ألماً ووجعاً ثم نجلس نكرر كل هذه المعاناة ونتذمر.
يزداد الحال سوءاً وتزداد قنوات الإفساد ظهوراً وتزداد سبل اللهو تنوعاً ويزداد الحال تعقيداً ثم نعاود الجلوس في الديوانيات والمجالس العامة نجر الحسرات ونتذمر.
الوضع رغم كل هذا التذمر وهذه الحسرة لا يتغير بل يزداد ويتصاعد نحو الأسوأ حتى صرنا نخشى على أولادنا وبناتنا داخل منازلنا من الاختراق والابتزاز وقد سُجلت حالات متعددة يرتفع عندنا القلق ونجلس مرة أخرى في المجالس نجر الحسرات ونتذمر.
وحينما ينفد الصبر عندنا نهاجم العلماء والخطباء أن أدركوا المجتمع قبل الضياع وتحدثوا عن المخاطر التي اخترقت اليوم بيوتنا وبتنا نخاف النوم والجلوس ولا ندري ماذا يخفي لنا القدر؟ وما هو الأسوأ والأخطر؟ وكأن الأسرة لا علاقة لها بكل ما يجري! ثم نجلس منفعلين في المجالس متوترين قلقين على مستقبل المجتمع ونجر الحسرة ونتذمر.
تمر سنة تلو أخرى والحال يزداد سوءاً وتعقيداً وفي المقابل يزداد عندنا الخوف والقلق والوجع لما نشاهد ونسمع ونعيش تفاصيله اليومية.ثم نعود لمجالسنا وديوانياتنا مقهورين موجوعين نشرب الشاي بالنعناع والقهوة العربية ونتذمر. وتستمر المعاناة والمشهد يتكرر.
وهنا سؤالٌ يلزمنا الإجابة عنه وبكل صراحة؛ نحن المتذمرون والمشتكون ماذا قدمناه لهذا المجتمع ولما يعانيه الشباب والفتيات اليوم؟
سنتحدث عن أضعف الإيمان وأقصر الطرق الفاعلة؛ هل ساهمنا في ملء تلك المساحات في (وسائل التواصل) بالفضيلة والمنفعة أم تركناها لينشر فيها القبيح وتروج الانحراف والانحلال؟
هل كان لكل فرد في هذا المجتمع مهما كان وضعه مساهمة في بناء ثقافة مجتمعه أم كنا ننتظر العالم والخطيب ليتحدث وقد لا أحد من المعنيين يصغي إليه إن لم يذاب خطابه تحت حصانة النقد الجديد.
هل نافسنا التافهين والمفسدين الذين ملأوا وسائل التواصل بالسخافة والانحلال باستبدالها بالعلم والمعرفة والفضيلة وكل ما هو نافع أم كنا من يروج بقصد (الاستنكار) كما ندعي ونساهم في نشر كل قبيح يصنعونه؟
إذا كان المجتمع اليوم يأخذ غالبية ثقافته ومعلوماته من تلك الوسائل التي يحتل التافهون فيها مساحات شاسعة، هي دعوة لصاحب كل علم وقلم وفن وموهبة وبيان ومحبة لمجتمعه ووطنه أن يبرز علمه وفنه وليست دعوة مستقلة لرجل الدين أو الخطيب فحسب هي لكل علم نافع في شتى المجالات والعلوم.
ما المانع أن يساهم صاحبه بملء تلك الفراغات في وسائل التواصل ليكون المشهد العام باعثاً على الأمل ناشرًا لكل ما هو نافع ومفيد، ومغيباً لتلك المشاهد التي لو تركت لتربى أبناؤنا وبناتنا على سخفها ونتانتها وغابت عنهم المشاهد الأصيلة النافعة من العلم والمعرفة والفضيلة والفن الجميل.
نحن من سمحنا أن يكون زواج (شهاب) هو المتصدر حديث بناتنا وعوائلنا ونحن من سمحنا أن تكون (فلانة) هي المنظرة لفتياتنا وينشغلون بحديثها، ويكون خبر الفنانة تزوجت وفلانة تطلقت وسافر الفنان ونسي معطفه هو الشاغل ليوميات فلذات أكبادنا وعوائلنا هؤولاء هم من تضج بهم وسائل التواصل يملأون الفراغ الذي تركناه لهم والقادم أسوأ.
البعض من المتذمرين على وضع المجتمع لا يساهم حتى في نشر ما هو نافع على وسائل التواصل الذي لا يكلفه شيئًا ودون رسوم مالية وهي متاحة للجميع، هو زاهد حتى في هذا العمل البسيط لتبقى مساحاته فارغة.
إذا لم تكن صاحب قلم أو كلمة أو فن أو موهبة فإنك تستطيع نشر العلوم والمنفعة عبر هذه الوسائل وتكون ناقلاً للمفيد والنافع لتتحول وسائلنا إلى لوحة فنية وحديقة غنية بالمنافع في شتى العلوم والمجالات نحن إما أن نكون متعلمين وننشر العلم أو غير متعلمين وننقل علم المتعلم والعالم.
إذا لم يكن لنا هذا الدور هل يحق لنا الجلوس في الديوانيات وفي الفضاء الخاوي نشتكي من وضع المجتمع ونجر كل يوم آهات الحسرة والندامة ونتذمر.
إذاً لم نساهم في البناء الذي لا يُعفى منه أحد سنكون المعنيين بقول الشاعر بصورة مباشرة:
نعيب زماننا والعيب فينا ..... وما لزماننا عيب سوانا
لذلك كان الخطاب لنا جميعاً ولم يستثنِ أحداً "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فإن لم تساهم بهذا اليسير وهو أضعف الإيمان غادر تلك الديوانيات وتلك المجالس واعترف أنك مقصر في نشر الفضيلة ولا تتذمر.



