أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بشيرُ الخيرِ والخاتمة الحسنة

سعيد المطرود · القطيف اليومالجمعة 1 أكتوبر 2021، 5:13 م
بشيرُ الخيرِ والخاتمة الحسنة

غيّبَ الموتُ عنا شابًا من شبابنا الواعدينَ العاملينَ المتفانينَ في الأعمال التطوعية الدينية والاجتماعية والتربوية، ألا وهو الشاب بشير بن الحاج عبد العظيم السبع ـ رحمه الله.

أصبحنا يوم الأربعاء الفائت الموافق 22 من شهر صفر لعام 1443هـ، على خبر مفجع على قلوبنا تناقلته قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو أن بشيرًا انتقل إلى رحمة الله ملتحقًا بالركب الحسيني!
لم نصدق الخبر في البداية، ولكن التواتر الإعلامي من أهله ومحبيه أكدوا ذلك.
وكأن فقيدنا العزيز قد وقَّت رحلة عروجه الأبدي من أرض الحسين عليه السلام كربلاء المقدسة، الأرض التي طالما عشقها وترنم باسمها منذ نعومة أظفاره!

عرفتُه منذ صغره، حيثُ كان يتردد على القديح بشكل يومي تقريبًا؛ حيثُ بيت جده لأمه الحاج المؤمن أحمد آل جعفر ـ حفظه الله ـ فقد أنسَ الفقيدُ بالقديح منذ صغره، والتحقَ بمدارسها إلى أن أنهى المرحلة الثانوية في مدرسة القديح الثانوية.
وكوني معلمًا في الثانوية الآنفة الذكر، فقد وجدتُه وزملائي المعملين طالبًا خلوقًا ومحبوبًا لدى الجميع؛ وذاك لروحه الشفافة الصافية، وأخلاقه المميزة مع المعلمين والطلاب.

التحقَ صديقُنا بشيرـ رحمة الله عليه ـ من طفولته الباكرة بالعمل الاجتماعي والديني في بلدة القديح، حيث بدأ طالبًا في الدورات الدينية الصيفية التي كان تعقدها جماعة الهدى للتعليم الديني في مساجد القديح، بعدها أصبحَ عضوًا فاعلًا في لجان الجماعة لسنواتٍ طويلةٍ إلى قبل رحيله ـ رحمه الله.

كما عرفتُه محافلُ القديح الدينية، حيث كان منشدًا مع فرقة أناشيد موكب أهل البيت (ع) بالقديح، ولما كان يمتلك الفصاحة والجرأة الأدبية أمام الجمهور، فقد كان في الغالب يلقي المقدمة النثرية التي تسبق تلكم الأناشيد الدينية التي كان تلقى عادة ًفي مناسبات مواليد المعصومين عليهم السلام، وكان إلقاؤه المميز ملتفًا للجميع.

وقد كان ـ رحمه الله ـ موفقًا أيضًا في المشاركة في إحياء الشعائر الحسينية من خلال موكب أهل البيت (ع) بالقديح.

إضافةً لذلك فقد كان عضوًا فاعلًا في اللجان التنفيذية في مهرجان التألق لتكريم الطلاب والطالبات المتألقين بالقديح التابع لجمعية مضر الخيرية.

ويمتاز فقيدُنا العزيز بمناقب أخلاقية واجتماعية منها:
ـ ابتسامته المشرقة مع الصغار والكبار، وحب الجميع له.
ـ التواضع الجم، ونكران الذات.
ـ كان حريصًا كل الحرص على انتقاء الألفاظ المهذبة مع الجميع.
ـ ليس في قاموس حياته الاتكالية والكسل، فقد كان مصداقًا للرجل المكافح بحق، فقد التزمَ لسنواتٍ طويلةٍ حتى لقبيل وفاته بالعمل في وظيفتين: إحداهما في الصباح، والأخرى في المساء؛ وذلك لتحسين وضعه المعيشي.
ـ الحس الاجتماعي العالي، فقد كان يتحسس بذكائه الاجتماعي المعروف عنه القريبين منه في وقت ذروة جائحة كورونا، فقد نقل لي أحد الأصدقاء أن فقيدنا قد تواصل مع أحد أصدقائه يعرض عليه مبلغًا من المال ـ فترة الحجر الصحي.
وقال له المرحوم: هذا المبلغ لا أحتاجه حاليًا فيمكنك الاستعانة به إلى حين انفراج أمورك المالية.
ـ وقد كان فقيدنا العزيز بشير ـ رحمه الله ـ مثقفًا واعيًا، وقارئًا نهمًا، عوَّد نفسه على قراءة المجلدات الكبيرة، فضلًا عن الكتب الصغيرة المفردة، فقد سألته مرةً: ماذا تقرأ هذه الأيام يا بشير؟ فأجابني: "للتو قد انتهيتُ من قراءة موسوعة الركب الحسيني المكون من ستة مجلدات".
وكونه متابعًا للحركة الثقافية، فقد كان يعرض خدماته الثقافية بشكل دائم، فهو يسأل أصدقاءه عن استطاعته توفير الكتب والإصدارات الثقافية لهم، بكل سرور ومحبة، وبسعر التكلفة أيضًا من خلال المكتبات أو مواقع بيع الكتب عبر الإنترنت.

فكما وُفق فقيدنا العزيز ـ بشير الخيرـ في حياته، فقد كان موفقًا أيضًا في ختامها، فقد ختمها ـ رحمه الله ـ بأحسن الطاعات والقربات وهي زيارة الحسين عليه السلام في ذكرى الأربعين، وكتب له أن يوارى الثرى في تلكم الأرض المباركة، التي هي مهوى العاشقين.
وأي توفيق بعد هذا التوفيق!
جاء في كتاب الكافي للشيخ الكليني عن هارون بن خارجه عن أبي عبد الله الصادق (ع): "وكلَّ اللهُ بقبر الحسين (ع) أربعة آلاف مَلَكٍ شُعثٍ غبرٍ يبكونه إلى يوم القيامة، فمن زاره عارفًا بحقه شيَّعوه حتى يُبْلِغُوهُ مأمنهُ، وإن مرضَ عادوه غدوةً وعشية ً،وإنْ ماتَ شهدوا جنازته شهدوا جنازته، واستغفروا له إلى يوم القيامة" (موسوعة الإمام الحسين، محمدي الريشهري، ج7، ص233).
هنيئًا لك يا بشيرُ جوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ستفتقدك مجالس الذكر المساجد والحسينيات والدورات الدينية ومواكب العزاء والعمل التطوعي.
لقد قدمتَ لنفسك عملَ الخيرِ والذكرِ الحسنِ الجميلِ.
رحمك الله رحمة الأبرار وحشرك مع سيد الشهداء في أعلى عليين، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.